اراء و مقالات

الأردن يريد أن «يمشي ويعلك»… وسؤال الإصلاح العالق: هل تتغير «العقيدة» في ملفي الانتخابات والأحزاب؟

عمان- «القدس العربي»

لماذا تختلف المعايير هذه المرة؟

.. يسأل الجميع بدون استثناء عن الأسباب التي ينبغي أن تدفع المواطن الأردني للاقتناع بأن التحول الإصلاحي الديمقراطي الذي عبر عنه مؤخراً تشكيل لجنة عريضة بغطاء ملكي هو في الاتجاه الجدي والحقيقي هذه المرة بعد سلسلة طويلة من التشكيكات، لا بل أيضاً من اللجان الملكية.
لوحظ بوضوح مبكراً ولأول مرة، بعض العبارات الحادة التي صدرت في خطاب التكليف الملكي إلى سمير الرفاعي، رئيس لجنة تحديث المنظومة السياسية. هنا تحديداً وبعيداً عن مألوف تشكيل اللجان الاستشارية، أبلغ الملك الشعب الأردني لزاماً بأن حكومته ستتبنى توصيات اللجنة وقراراتها بخصوص تعديل قانوني الأحزاب والانتخابات تحديداً، ولم يقف الالتزام الملكي العلني عند هذا الحد، بل أضاف عبارة “وبدون تأثير أو تغيير”، بمعنى كما يرد من اللجنة.
يسأل مراقبون بالجملة عما إذا كان هذا عمل اللجنة دستورياً وعما إذا كان البرلمان ملزماً بموجب الدستور وبهذه الحدية والجدية بتوصيات اللجنة الاستشارية فقط خارج السلطة.
أجاب على هذا الاستفسار بعمق رئيس اللجنة سمير الرفاعي، وبحضور “القدس العربي”، شارحاً بأن جلالة الملك تحدث هنا بصفته رئيساً للسلطة التنفيذية بموجب الدستور، وأن التوصيات والتعديلات الاستشارية بعد تفصيلها قانونياً سيلزم بها الملك حكومته التي ستذهب بها إلى مجلس النواب. وشرح الرفاعي أيضاً بأن مجلس النواب سيد نفسه بطبيعة الحال.

«مجلس الملك»

لكن الحكومة التي ستأخذ توصيات اللجنة بخصوص الانتخابات والأحزاب، عليها أن تشتبك إيجابياً مع مجلس النواب وتقنعه بتلك المخرجات والتوصيات. وللتذكير، يطرح الرفاعي وبصفته عضواً في مجلس الأعيان، وهو شريك تشريعي كبير للنواب، أن مجلس الأعيان وهو مجلس الملك، موجود في الصورة، وواجبه مع الحكومة أيضاً تبني تلك التوصيات.
المعنى السياسي واضح هنا، فالحكومة ومجلس الأعيان يفترض أن يتوليا المهمة في حالة اتخاذ مجلس النواب قراراً بعكس الاتجاه المطلوب، الأمر الذي يعني أن هناك تصوراً وسيناريو مدروساً بعناية ودقة خلف الستارة وفي القصر الملكي تحديداً لمرحلة ما بعد إنجاز الاستشارات والتوصيات. والمعنى أن ما سبق أن أشير إليه هو بمثابة خارطة طريق تشرح وتفسر مستوى الإلزامية الملكية في النص، التي ظهرت. في المقابل، ما قيل من مسؤولين كبار جداً لنحو 91 عضواً في لجنة تحديث المنظومة السياسية هو أن ما طرحوه حتى الآن وفي أقسى حالات العصف الذهني لايزال دون مستوى وسقف الطموح الملكي.
هنا قالها الرفاعي عدة مرات وبوضوح لرفاقه في اللجنة: مهمتي سهلة لأن ما أسمعكم تقولونه وتكتبونه وتتداولونه أقل من السقف الملكي المطلوب. ثمة تفسير بالتوازي سياسياً وإعلامياً لمستوى الثقة التي تظهر في خطاب الرفاعي وبعض كبار المسؤولين بعد تشكيل اللجنة، ومن هؤلاء رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، الذي تناقش بصفة مباشرة مع “القدس العربي” داعماً للجنة وميسراً لأعمالها وداعياً إلى مغادرة مناطق التشكيك والتطلع للأمل في المستقبل ضمن رؤية ملكية مرجعية فتحت المجال اليوم أمام التحديث والتطوير ودعم وإسناد المشاركة السياسية لجميع الأردنيين.
الواضح في مشهد اليوم الأردني هو مستوى اللهجة الاحتفالية بضمانات القصر لمحتوى الإصلاح السياسي الذي قد ينتج لاحقاً. وبالتالي، يصبح السؤال شرعياً ومهماً: ما الذي حصل وتغير؟
سؤال، الإجابة عليه كامنة في التفاصيل، ويبدو جلياً أن نخبة من كبار الساسة وصلوا إلى قناعة كبيرة بأن البرلمان البرامجي بعد انتخابات حزبية نظيفة هو الحل للعديد من مشكلات الأردنيين، وبأن تفويض بعض الصلاحيات لبرلمان منتخب في سياق برامجي حزبي مستقبلاً أصبح اليوم – وهذا ما لا تعرفه العامة – ليس عنواناً في اتجاه الإصلاح السياسي فقط، ولكنه مفتاح لمعالجة تلك المعضلات البيروقراطية الخطيرة التي ظهرت خصوصاً على صعيد محاذير خدمات القطاع العام وتراجعها.
يبدو أن حادثة نقص الأكسجين في مستشفى السلط تحديداً لها علاقة بتلك الصدمة النفسية التي اجتاحت الأردنيين في مربعات القرار، حيث اضطر الملك شخصياً للاهتمام وزيارة المستشفى والتحدث مع الناس والأطباء وتطييب الخواطر والمشاعر، فيما يعرف الجميع أن ذلك واجب الحكومة والبرلمان.
وفيما يبدو، ثمة تغيير استراتيجي في الفكر المرجعي أعمق ما يعتقده الجميع، حيث لم يعد صناع القرار المركزي معنيين مرحلياً بذلك المشهد الذي يزور فيه الملك أيضاً ثلاث مرات على الأقل أحد المستشفيات الحكومية الكبيرة، مسلطاً الضوء على تعطل المصعد في الأثناء.. تلك أيضاً مسألة في عمق واجبات الحكومة والبرلمان.
يبدو أيضاً أن صدمة الفتنة بتفاصيلها أحدثت تأثيراً كبيراً في عمق القرار، فبعض الأطراف المتآمرة في تلك الفتنة استغلت قصوراً في نظام خدمات الدولة وبعض الأخطاء البيروقراطية، وتجاوزت في طموحاتها وانتقاداتها، في الوقت الذي دخلت فيه بعض تجمعات العشائر تحديداً على خط الاشتباك والنقد جراء مثل ذلك القصور.
“هذا وضع غير مريح وينبغي أن يتغير”.. تلك العبارة ترددت عدة مرات حتى في مجلس السياسات وبصيغة تدفع، وخلافاً للاعتقاد السائد للقناعة، بأن التحول الاقتصادي التحديثي ينتج هذه المرة عن ضغوطات في عمق الدولة ومنها، وليس عن أجندات خارجية أو جراء تحالفات مع دول كبرى. فنسبياً، تسقط تلك النظرية البيروقراطية السياسية التي تؤمن بعقيدة السيطرة المطلقة على سلطتي التشريع والتنفيذ. وبالمقابل، تسقط -استنتاجاً لذلك- تلك النظريات المعلبة عن حكومات ضعيفة قابلة للطي والسيطرة عليها، وعن مجالس برلمانية مطعون بنزاهتها وظيفتها التصويت وليس التشريع.
تعني هذه الانحيازات شيئاً عميقاً لدراسة كل الاعتبارات والمستجدات.

ورقة أساسية

وعليه، يمكن القول سياسياً على الأقل – كما يفكر المكتب التنفيذي في لجنة التحديث – بأن برلمان البرامج ورقة أساسية اليوم، وأن حكومات برلمانية قد تكون الصيغة التي تنقذ الموقف؛ فالمسننات البيروقراطية تتآكل من الداخل، والعيوب التي ظهرت في أزمة الفايروس كورونا أكبر بكثير من أي احتمالية للاستمرار في إنكارها.
لذلك، يعتقد بأن القصر الملكي يريد في الإصلاح أن “يمشي ويعلك” ويعتقد بأن مديري الأجهزة الأمنية جمعوا معاً، وصدرت لهم الأوامر المباشرة بعدم التدخل من قريب أو بعيد في أعمال وبرامج لجنة تحديث المنظومة السياسية.
ولذلك أيضاً، يعتقد بأن الملك أمر بخطة قابلة للتنفيذ في الإصلاح السياسي والحزبي والانتخابي مع كل تفاصيلها، مدتها عشر سنوات، رافضاً التسليم بعشرين سنة.
أخيراً، يبقى وسط كل هذه الزحمة السؤال الوحيد العالق أمام اللجنة: كيف تتغير “العقيدة البيروقراطية والأمنية ” خصوصاً تجاه مسألتي الأحزاب والانتخابات؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق