اراء و مقالات

الإصلاح «الانتخابي» في الأردن «يتزحلق» بين «ألغام الواقع» و«سيناريو مثير» قيد الطهي

عمان- «القدس العربي»: سعت دفة الإدارة التي تحاول تسيير الأمور في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بالأردن خلال الساعات القليلة الماضية إلى تجاوز وتجاهل “ضربة سياسية” موجعة قليلاً وجهت لبوصلة اللجنة، وتمثلت في تضمين الإرادة الملكية الصادرة بخصوص انعقاد دورة استثنائية صيفية للبرلمان ببند له علاقة بتعديلات على قانون البلديات واللامركزية.
اللجنة الملكية سعت لامتصاص انزعاجها من هذا الاتجاه الذي توافق عليه مجلسا الوزراء والنواب في إطار تسارعي وبدعم يعلمه الجميع من الرجل الثاني في الحكومة نائب رئيس الوزراء ومسؤول ملف الحكم المحلي الوزير توفيق كريشان. ويكثف طاقم اللجنة الملكية عمله الآن في اتجاه المضي قدماً نحو الملف الرئيسي، وهو الخروج بخلاصة نظام انتخابي جديد يترقبه الجميع باعتباره المولود الأهم لعناوين الإصلاح السياسي.
عضو اللجنة جميل النمري، تحديداً، بدا متفائلاً قليلاً وهو يعلن الثلاثاء، بأن بعض الأساسيات والمفاصل في خلطة قانون انتخاب جديد شارفت على الانتهاء، مبشراً بجهد حقيقي في هذا الاتجاه احتاج لكثير من العمل والصبر، كما أبلغ “القدس العربي” في وقت سابق.
بدأت اللجنة الفرعية المعنية بأهم تشريعات الإصلاح السياسي، وهي المختصة بقانون انتخاب جديد، تقدم بعض الملخصات الإعلامية لما انتهى الحوار التوافقي عليه حتى الآن. ورغم أن رئيس اللجنة خالد البكار، أبلغ “القدس العربي” منذ أيام قليلة بأن ما سيتم التوصل إليه منتج وطنياً ويحظى بتوافقات ودرس بعناية شديدة، إلا أن عضو مجلس النواب الأسبق نبيل غيشان، عبر في صفحته التواصلية عن خيبة الأمل فيما كشف النقاب عنه حتى اللحظة، وهو موقف سانده علناً الإعلامي المسيس أسامة الرنتيسي، بخصوص زيادة عدد أعضاء مجلس النواب إلى 150 مقعداً، بينما كان الجمهور -حسب الرنتيسي- يتوقع تخفيضاً في عدد المقاعد حرصاً على رشاقة وسلامة التجربة.
في كل حال، يبدو أن قصة زيادة العدد إلى 150 مقعداً، عبرت من المحطات الأساسية في اللجنة الملكية. وثمة سببان لهذه الزيادة التي تعني بأن اللجنة تحولت في مسارها من تخفيض عدد المقاعد إلى زيادتها في حالة تزحلق سياسية اضطرارية.
السبب الأول في السيناريو الحواري الخلفي له علاقة بتخصيص 40 مقعداً على الأقل لقائمة وطنية على المستوى الشمولي ستخصص حصرياً للأحزاب، ومن الطبيعي القول بأن الأحزاب الناضجة والكبيرة ستبتلعها تزامناً مع عتبة من الأصوات الانتخابية لأغراض تفعيل التنافس، قد يكون قوامها 3% من الأصوات. والهدف من هذا السيناريو تبكيل أحكام نصوص قانون الانتخاب الجديد بالتأكيد على ارتفاع هذه النسبة الخاصة بالأحزاب وطنياً إلى 50% من المقاعد في الانتخابات التي تلي الانتخابات المقبلة، وصولاً -حسب السيناريو- إلى برلمان حزبي بصورة شمولية بعد 10 سنوات.
طبعاً، ذلك السيناريو هو الذي مضت به اللجنة الفرعية لقانون الانتخاب. وهو سيناريو طموح، وألمح إليه رئيس اللجنة الأم، سمير الرفاعي، وناقش البكار بعض ملامحه مع “القدس العربي”. لكن لا يوجد ضمانات بأن تنجح هذه التجربة الجديدة وسط نوعين من التحفظات. الأول له علاقة بفتور حماسة المنظومة البيروقراطية – الأمنية لخيارات من هذا النوع قد تنطوي على مجازفات تمثل تراثيات من الماضي. والتحفظ الثاني له علاقة بثقافة المجتمع واتجاهاته بخصوص التصويت في الانتخابات، وهو تحفظ طويل الأمد، تحاول اللجنة معالجته بخطتها الطموحة لـ 10 سنوات.
السبب الثاني الذي فرض إيقاع السيناريو المشار إليه، له علاقة بالحرص على زيادة المقاعد في اتجاهات محددة تدمج الشرائح الاجتماعية لاحقاً تجنباً للغرق في الجدال المتعلق بالحقوق المكتسبة أو شقيقتها المنقوصة أو بالدوائر الانتخابية التي ترى نفسها “مظلومة” في التمثيل، وشقيقتها التي يرى البعض أنها تعاني من “تخمة” في عدد المقاعد قياساً بعدد السكان.
الترتيب هنا عندما يتعلق بالتحول المفاجئ إلى زيادة عدد المقاعد هو ترتيب هندسي وتكتيكي، ومن المرجح أن هندسة الانتخابات الأخيرة فرضته بالواقع الموضوعي بعدما وضعت الدولة برمتها في زوايا ضيقة وحرجة جراء التدخل الضخم الذي حصل في العملية الانتخابية.
تلك مواصفات سيناريو في النظام الانتخابي تعمل عليه اللجنة الملكية الآن بهدوء، ومن نافلة القول إن الاعتماد يتجه إلى صوتين لكل مواطن في النظام الانتخابي: الأول لقائمة وطنية حزبية تنمو بالتدريج لـ 10 سنوات، والثاني لدوائر محلية يمكن التشبيك بينها وبين الوطنية بتعزيز تجربة تشكيل التيارات الحزبية. في الأثناء، يقترح السيناريو نفسه عند مبادلة وإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية ترك الجغرافيا والديمغرافيا الآن، تجنباً لكمائن حساسيات المكونات.
ويقترح أيضاً ترك بعض الدوائر الانتخابية التي تعاني من كثافة السكان من حيث عدد المقاعد كما هي، وتقليص محدود جداً لعدد المقاعد في الدوائر الموصوفة بالفائض مقابل فرصة موازية لها ومضاعفة عبر الحصة الحزبية بتقدير عام، يراعي كل المخاوف ويأخذ بالاعتبار التنمية السياسية وزيادة نسبة المشاركة.
تبدو هنا عملية معقدة وغير مفهومة بعد، لكن يبدو –بالمقابل- أن اللجنة مضطرة لهذه المناقلات والمناولات في عمق الدوائر الانتخابية حتى تعبر إلى شواطئ الأمان بأقل ضجيج ممكن، وعلى أساس الدمج الاجتماعي والديمغرافي والجهوي بدون تسمية كلاشيهات سياسية عامة لها علاقة بجدل الهوية الوطنية.المقايسات فنية محضة هنا، ومعرضة للتجربة والتقييم مثل بقية البنود الأساسية.
وتحاول لجنة الانتخاب القفز برشاقة بين كل الألغام، بدلالة أن السيناريو الجديد سيسعى إلى تجنب صياغة نص محكم يؤدي إلى “تجريم التدخل في الانتخابات بالنسبة للموظف العام”، وهو ما طالب به بعض أعضاء اللجنة الأم، وأبرزهم الدكتور عامر السبايلة.
وبدلاً من التجريم المباشر ووضع عقوبات، سيلجأ السيناريو إلى تعزيز منظومة النزاهة وتحميل رؤساء لجان الإشراف على الانتخابات الكلفة القانونية والقضائية الناتجة عن أي تدخل أو تلاعب.. تلك صيغة تبدو مطاطية قليلاً وفيها من المرونة الكثير، وإن كان التحصين القانوني سيصل إلى مكافحة المال السياسي والرشوة. تلك هي الملامح الأساسية للسيناريو قبل إقراره رسمياً في لجنة تحديث المنظومة، ولا يتوقع له أن يمضي بدون جدل.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق