اراء و مقالاتمقالات وآراء

الإصلاح السياسي الأردني: اللعب بـ «شراء الوقت» مجدداً والمؤسسات «غير جاهزة» والعين على «حوارات الأرشيف»

 

 قد لا يسعف الوقت حكومة الأردن لإنجاز مزيد من مساحات الحوار الوطني تحت عنوان وضع تصور لقانون جديد لانتخابات البلديات.
لذلك، يقترح وزير التنمية السياسية موسى المعايطة، أن الانتخابات البلدية المقبلة والتي ستدخل بعد أشهر قليلة مستوى الاستحقاق، قد تعقد بقانون جديد. لم تتضح بعد معالم القانون الجديد لانتخابات البلديات الأردنية، ولا طبيعة النظام الذي سبق أن بشر به الرجل الثاني في الحكومة الوزير توفيق كريشان، عندما يتعلق الأمر بالخطوة التالية في تطوير مفهوم الحكم المحلي.
مجدداً، يعتقد خبير البيروقراطية سامح المجالي، أن البعد السياسي في مسألة اللامركزية ومجالس المحافظات هو الأهم، وهو حصرياً البعد المتعلق بغطاء سياسي يتولى تفويض الصلاحيات. ويصر المجالي وهو يتحدث لـ»القدس العربي» على أن مضمون منطوق فكرة اللامركزية هو فقط تفويض الصلاحيات ونقلها للأطراف بشكل خاص، وبالتالي علينا التركيز هنا قبل بقية الاعتبارات لأنها تكمل بنية الصورة. لكن حتى في تطوير مفهوم وصيغة الحكم المحلي، لم يعرض الوزير المعايطة عندما تحدث في الموضوع، أمس الأول، جديداً، بل أشار ضمنياً؛ إذ إن الحوارات المتعلقة بمجمل ملفات الإصلاح السياسي سابقاً يمكن أن تقرأ مرة أخرى على طاولة حوار.
قد يعني ذلك عملياً أن الحكومة لا تجد الوقت الكافي لإنجاز مراجعة حقيقية لتشريعات الإصلاح السياسي قبل أبريل/نيسان المقبل وعشية التحضير لاحتفالات مئوية الدولة، الأمر الذي قد يؤدي إلى عملية إدارية بسيطة قوامها نفض الغبار عن ملفات الحوار السابقة وإعادة إنتاجها، خصوصاً أن داعية الإصلاح السياسي المزمن في معادلة النخبة الأردنية الدكتور مروان المعشر، قالها علناً وببساطة عندما يتعلق الأمر بالحوار والوثائق، مطالباً بالعودة إلى مضمون ما ورد فقط في الأوراق النقاشية الملاكية التي تجاهلتها حكومات متعاقبة.
لم يقل الوزير المعايطة بذلك عملياً، لكن عندما استمعت إليه «القدس العربي» واجتمعت به، كان يصر على اعتبار الحوار الوطني مرحلة مفصلية وأساسية، وينبغي أن يشمل جميع الأطراف قبل الخوض في أي تجارب تشريعية جديدة أو إقرار وتعديل نصوص هنا أو هناك، فعلى المحك مفاصل مهمة جداً وطنية لها علاقة بقانوني الأحزاب والانتخابات، وأيضاً باللامركزية والبلديات.
يبدو أن المناخ ارتبك قليلاً بمجرد إطلاق المبادرة الملكية العلنية لمراجعة تشريعات الإصلاح السياسي. أن الأطراف المعنية لم تكن جاهزة لتوجيه يقضي بالاندفاع أسرع نحو تلك المراجعة، فالمطلوب سياسياً ووفقاً لبوصلة العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة والوضع الاقتصادي الحساس والمعيشي الصعب، هو العودة إلى التفاتة قوية باسم الإصلاح السياسي والحريات. والمطلوب على الأجندة والطاولة قانون انتخاب جديد وتصعيد في العمل الحزبي، بالتوازي مع إنضاج حالات التكتل البرلماني. والمطلوب أيضاً وبالتزامن تنقية تجربة اللامركزية من شوائبها بعدما أخفقت في نسختها السابقة تماماً كما أخفق قانون الانتخاب الحالي.
كل ذلك أصبح مطلوباً فجأة في المشهد الأردني، وخلال أسابيع قليلة يفترض أن تسبق تموز /يوليو المقبل، وضمن معطيات وظيفة سياسية لها علاقة بالمصالح والعلاقات الدولية. لكن المؤسسات المعنية غير جاهزة، وقد يكون من الصعب عليها الإنجاز في ملفات إشكالية من هذا النوع في ظل تداعيات الفايروس. ومجدداً، لا أحد يملك الوصفة السحرية المناسبة لتعديل أو تطوير أي نصوص تشريعية لها علاقة بالتنمية السياسية، والجميع بات -فجأة- يؤمن بالحوار وتوسيع آفاقه، ومع التوقيت الحرج اختلطت بعض الأوراق. وبالتالي، يصبح الحديث عن إعادة قراءة ملفات وطنية سابقة نوعاً من التكتيك للتعامل مع ضغط التوقيت.
ويصبح – في المقابل – عن العودة إلى وثائق سابقة من بينها الأجندة الوطنية أو الأوراق الملكية النقاشية محاولة ذكية نوعاً ما تحاول إلقاء الضوء على أن المطلوب قرارات بغطاء سياسي وإجراءات فورية إدارية أكثر بكثير من الغرق في اجتماعات ومشاورات لا تنتهي لشيء محدد. وبمعنى آخر، أي حديث حكومي عن العودة إلى ملفات حوار سابقة قد لا يكون أكثر من محاولة لشراء الوقت.
وأي اقتراحات متذاكية تتحدث عن عدم الحاجة إلى وقت والعودة إلى مضامين وثائق مكررة وتحظى بالبركة، هي محاولة لتجنب مطب وكمين عناوين الحوار ومشتقاته والرغبة في الانتقال إلى مستوى القرار والغطاء السياسي دون مزيد من التلكؤ، وعلى أساس بسيط قوامه أن الزعم بإنتاج حالة حوار سبق أن أعاق لسنوات طويلة منجزات ومنتجات الإصلاح السياسي الحقيقية.
تلك في كل حال، أصبحت لعبة بيروقراطية وسياسية ونخبوية ومن كل الأطراف. والجهة الوحيدة المؤهلة لإطلاق مبادرة تحتوي الجميع هي مجلس النواب، وما تفهمه «القدس العربي» من رئيسه عبد المنعم العودات في هذا المفصل هو أن المطلوب التريث قليلاً، فمجلس النواب سيقود الحراك الإصلاحي ويدير حوارات منتجة تحت عنوان القيام بواجبه.
طبعاً، تلك عبارات متفائلة لمن يتولى أعلى منصب نيابي، حيث لا يوجد من الإصلاحيين في الساحة الأردنية من يستطيع التصفيق لفكرة تتفاءل بتعميق الإصلاح السياسي ويمكنها أن تنتج عن التركيبة الحالية لمجلس النواب.
يعني ذلك باختصار، أن الشكوك لا تزال تحيط بمجمل المسألة، وأن النوايا مجهولة، والكل يلعب بورقة الوقت أو شراء الوقت، وهي لعبة كانت سبباً أصلاً طوال عقود في مراوحات الإصلاح السياسي الأردني.

 

كلمات مفتاحية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق