اراء و مقالات

الحاجة ملحة لتفسير انقلاب بعض المعادلات في الأردن… «تفكيك وتركيب نخبوي»… لماذا وما الآتي؟

تكنوقراط جديد بخلفية عسكرية وبقوة تصويت في التشريع بين 20-30%

لا تزال الذهنية التي هندست الأمور في مشهد النخبة البرلمانية والوزارية الأردنية مديونة بشرح وتبرير وتفسير للرأي العام. لا بل الجديد في المسألة عند قراءة تتابع مسلسل الأحداث في آخر شهرين للحالة السياسية المحلية هو ظهور ملامح هوس نخبوي بالبحث عن تفسير لانقلاب بعض المعادلات في التركيب والتفكيك ليس فقط على مستوى الجمهور، ولكن أيضاً اليوم على مستوى العشرات إن لم يكن المئات من طبقة رجال الدولة والحكومة السابقين والمتقاعدين.
بصورة متتابعة وخلال فترة قصيرة وفي ظل عمق أزمة الجائحة كورونا والتداعيات الاقتصادية، برزت خلطة تركيبية غامضة لمجلسي الأعيان والوزراء، ثم امتدت لاحقاً عبر الانتخابات إلى مجلس النواب بالتلازم مع الجملة التي تقول ضمنياً بأن العبث في العملية الانتخابية لا يستند إلى أدلة أو براهين أو مستمسكات محددة، على حد تعبير سياسي من وزن الدكتور ممدوح العبادي.

تكنوقراط جديد بخلفية عسكرية وبقوة تصويت في التشريع بين 20-30%

يتعلق الأمر دوماً بشغف السؤال والاستفسار، خصوصاً عند الصالونات السياسية والنخب التي تعاني من الضجر وأحياناً التقاعد، أو تعاني من نتائج إبعادها وتهميشها من الصفوف الأمامية، حيث سلسلة من المقاعد والوظائف العليا لها دور بالمجتمع بالعادة تم تجديد الدماء والوجوه فيها بصورة عاصفة ودراماتيكية سياسية وبوقت قصير ومتزامن.
بدأ الأمر بالإعلان عن تركيبة مختلفة لمجلس الأعيان ثم التجديد في مواقع مهمة، من بينها اللجان التي تدير أعمالاً لها علاقة بالتوثيق والتاريخ وأخرى لها علاقة بصناديق التنمية. ملاحظتان تمسك بهما عملياً كل من قابلته أو استمعت إليه «القدس العربي» تكررتا على نحو واضح في أثناء العصف الذهني، وتبحثان عن تفسيرات وإجابات على أسئلة عالقة.
الملاحظة الأولى هي تلك التي تحاول فهم الأسباب الموجبة لتكثيف حضور نخبة أعرض وبحصة أكبر من المتقاعدين العسكريين تحديداً في مجلس الأعيان، وبقوة تصويتية قد تصل إلى 30 %. لوحظ هنا مثلاً بأن الأعيان الجدد من فئة المتقاعدين من المؤسسات العسكرية لديهم خبرات استثنائية متراكمة في أكثر من اتجاه. ولوحظ بأن نسبة لا يستهان بها من المحاصصة التنفيذية في واجهات بعض المناطق والعشائر تم الاختيار في عمقها من المتقاعدين العسكريين وبصورة أفقية اعتمدت على خبرات سابقة في الأمن وفي الطب وحتى في الدفاع المدني، وهذه الشريحة الخبيرة من التكنوقراط بخلفية علمية عسكرية وأمنية لا يستعان بها ببساطة أو دون سبب وجيه.

المسطرة نفسها

المسطرة نفسها تقريباً لكن بصورة أكثف أبرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة، فالدوائر الانتخابية التي تمثل تيارات المجتمع المحافظة مالت أيضاً للمرشحين من المتقاعدين العسكريين، ونتج عن ذلك عدد لا يستهان به من الخبرات العسكرية المتميزة، بالمناسبة، في مجلس نواب جديد يفترض أن يحفل بالنشاط التشريعي والرقابي والعمل السياسي والوطني، وفي السياق المؤسسي، كما قال رئيسه قبل انتخابه لـ»القدس العربي» المحامي عبد المنعم العودات.
وجود نحو 20 % من القوة التصويتية في مجلس نواب منتخب تمثل متقاعدين عسكريين تحترمهم أوساطهم الاجتماعية وأوساط الدولة في المقابل هو مشهد مستجد في الحالة الديمقراطية الأردنية لا يمكنه أن يحصل بمحض الصدفة فقط.
ويفترض به أن يقود لترتيب ما، لاحقاً وهنا حصرياً يعيد العودات التأكيد على وجود طاقات وخبرات حيوية جداً في مجلس النواب الجديد، معرباً ومجدداً أمام «القدس العربي» وبعد اتصال هاتفي معه عن ثقته بأداء الزملاء الجدد وقناعته بأنهم سيحدثون فارقاً، خصوصاً على درب العمل البرلماني المؤسسي.
و في كل حال، مثل هذا الحضور في القوة التصويتية داخل مجلسي الأعيان والنواب وفي عمق مؤسسة التشريع لشريحة المتقاعدين العسكريين مشهد مستجد يفترض كثيرون، ومنهم الناشط محمد خلف الحديد، بأن له علاقة مرجحة باستحقاقات مهمة وقرارات مفصلية قد تواجهها الدولة في المرحلة اللاحقة. يمكن هنا ببساطة ملاحظة أن الرسالة ضمنية في هذه الجزئية تحاول التنويع وطمأنة المجتمع بعد ظهور العديد من تيارات المتقاعدين العسكريين في بؤرة نشاط سياسي أو شعبوي، وفي بعض الأحيان مشاغب ومناكف، لا بل معارض وبشراسة في بعض تعبيراته.
الرد على تلك الشرائح بإظهار ثقة المجتمع والمؤسسات بالتكنوقراط من أصحاب الخبرة والخلفية العسكرية قد يعبر عن رسالة ناعمة وذكية في النتيجة، ليس بالضرورة أن لها علاقة باستحقاقات سياسية إقليمية يقترحها الهمس السياسي خلف الستارة طوال الوقت من العاشر من نوفمبر. وقد لا يكون له علاقة بالضرورة بالممارسة الموسمية للنميمة السياسية، فحجم التبديل وتغيير الوجوه في برلمان الأردن الجديد كبير واستثنائي، وقد يكون مناسباً لمرحلة استثنائية ضاغطة إذا كان نتيجة لسيناريو عميق في ترتيب الأوراق، إضافة إلى أنه قد يكون من منتجات ومسببات الفوضى إذا لم تكن الجملة التكتيكية التي تدير المشهد منضبطة ومنتجة وفعالة.

ألسن المناكفين

تحتل شريحة التكنوقراط العسكري المتقاعد موقعاً متقدماً قد يكون الأهم في معادلة التشريع اليوم والاًكثر تصدراً.. أيضاً ذلك لا يحصل بالصدفة أو بسبب ما تلوكه ألسن المناكفين عن عمليات عبث بدائية في مساري التمثيل انتخاباً أو تعييناً، فالقصة على الأرجح أعمق بكثير. ولكن ينبغي أن تدار في إطار من الوعي الأعمق وخطوات تكتيكية تقلص من التساؤلات وتبدأ بتقديم الأجوبة التي يمكنها أن لا تكون لفظية فقط، بل في سياق إنتاجية وأداء ما يمكن أن يقدمه هذا الصنف من التكنوقراطيين بعدما تقلصت أيضاً في المعادلة الحكومية والرسمية مساحة البيروقراطيين ذوي الكفاءة والسجل المهني المتميز.
في الجزئية الثانية المهمة يبدو جدل التمثيل المكوناتي والانتقاص من تمثيل مكون على حساب آخر أقرب إلى فاتورة تعلم ذهنية الإدارة بإمكانية دفعها مقابل هدف مرحلي قادم في غاية الأهمية، وهذه تعبيرات هامسة تسمعها «القدس العربي» أيضاً هنا وهناك في أروقة القرار التنفيذي وعلى أساس استحقاقات محتملة في غاية الأهمية تطلبت سلسلة هندسية معقدة قليلاً، وهي مكلفة لكنها محفوفة بالمخاطر بالتزامن إذا انتهى الإقصاء الأفقي بإخفاق على مسار جبهة الوجوه الجديدة التي تموقعت.
هنا يحذر خبراء عميقون من أن أي مرحلة إقليمية صعبة ومعقدة في الطريق ينبغي أن تستعد لها المملكة في إطار جبهة اجتماعية صلبة، وفي إطار إشراك الجميع وبدون استثناء في تحمل مسؤوليات المرحلة، الأمر الذي لم تحققه طبعاً ترتيبات التعيين والانتخاب الأخيرة. سمعت «القدس العربي» من شخصيات بوزن السياسي طاهر المصري تحذيرات ناعمة تحاول التذكير بأن المواجهة أفضل للقادم بواسطة تفعيل الوحدة الاجتماعية.
في كل حال، لا تبذل مجسات القرار جهداً للاجتهاد في التفسير أو حتى للانتباه لما يقال هنا وهناك، مما يجعل الرسالة أوضح في جزئية المستجد الثاني، حيث ليس فقط الاعتماد المألوف على ثقل العشيرة الأردنية وطنياً واجتماعياً ولكن هذه المرة التنويع في العمق العشائري لصالح استبدال رموز وأدوات اخرى.
تلك أيضاً عملية تبدو حيوية، وقد تكون فعلاً منتجة جداً لاحقاً، لكنها محفوفة بالمجازفات. لذلك، ومنعاً للتجاذب والإغراق في التكهن والتأويل، لا بد من بعض الشرح والتفصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق