اراء و مقالات

«بدعة دستورية» أم «تشويه» مسار؟ أبرز مخاوف الأردنيين: حقوق المثليين والميراث و«الديموغرافيا» والولاية العامة

عمان – «القدس العربي»: يمكن القول بكل وضوح إن التعديلات الدستورية التي تشغل الأردنيين حالياً بكل الاتجاهات استفزت، ضمنياً، أغلب سيناريوهات وبؤر الحراك الشعبي تحت لافتة هاجسين أساسيين، تخفق السلطات حتى الآن في شرحهما وتوضيحهما.
وهما الهاجس الديموغرافي تحديداً، ثم الهاجس الناتج عن تقليص صلاحيات الولاية العامة للحكومة. بالنسبة لكل المعترضين، إضافة كلمة «الأردنيات» إلى نص دستوري يعرف من هو الأردني، مقدمة تثير الارتياب لتجنيس نحو 519 ألف شخص على الأقل من أبناء الأردنيات، لأن عناصر الاشتباك بمجمل قضايا النزاع والخلاف لدى القضاء، برأي الخبير القانوني المختص أيمن أبو شرخ، ستقود الجميع في لحظة ما إلى الحاجة لتصويب الكثير من نصوص القوانين بما ينسجم مع النص الدستوري الجديد.
مبكراً، اعتبر رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب المحامي عبد المنعم العودات، أن إضافة كلمة «الأردنيات» لا تعني أو ليس بالضرورة أن تعني لاحقاً إلا السياق الذي وضعت فيه، مع أن أبو شرخ وغيره من المختصين يعتقدون بأن الجانب الإجرائي قد يؤدي إلى تعقيدات لاحقاً تحت عنوان انسجام التشريعات والقوانين مع الحالة النصية الدستورية الجديدة.
تقدير أبو شرخ سمعته «القدس العربي» مبكراً، بعنوان أن الأمور قد تكون معقدة. لكن مجلس النواب وبعد مبادرة للنائب الإسلامي الشاب ينال فريحات، حاول تخفيف الارتياب بإضافة قانوني الجنسية والأحوال المدنية إلى حزمة قوانين حظيت بصنف من التحصين الدستوري، بمعنى عدم جواز تعديلها إلا بأغلبية ثلثي الأصوات في المجلس.
لكن ذلك لا يكفي، ويبدو أنه لا يكفي لتبديد مخاوف الأردنيين بعد إضافة مفردة «الأردنيات» من انقلاب محتمل في العامل الديموغرافي، يؤدي إلى تجنيس مئات الآلاف من أبنائهن وبناتهن تحت عنوان اشتراط البنك الدولي المعروف في أن تحصل المرأة الأردنية على حقوقها من مكتسبات النمو الاقتصادي مادامت تدفع حصتها من الديون.
لا يعرف كثيرون في الحالة الأردنية بأن ملف المساواة في حقوق المرأة تحديداً يتحدث عنه في المفاوضات البنك الدولي، ومن يرسلهم أيضاً، أحياناً، صندوق النقد الدولي. والواضح أن هذا الاستحقاق الذي منحته حكومة الأردن الأولوية، على الرغم من كل الشروحات الرسمية، لا يبدد مخاوف شرائح كبيرة في المجتمع الأردني من فائض في تغيير المعادلة الديموغرافية بعنوان تجنيس جديد ولأسباب سياسية، وإن كانت الدولة قد أوضحت موقفها من هذه المسألة فيما تبقى احتمالات الاضطرار قائمة لتعديل حزمة قوانين، وفقاً لإقرار النص الدستوري.
تخفق الشروحات الرسمية في عدة محطات وعلى المحك، حتى برأي الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض الشيخ مراد العضايلة، ليس مسألة التجنيس فقط، بل الهوية الدينية والوطنية للأردنيين.
الانطباع الرائج بعيداً عن العضايلة ورفاقه وفي التعبيرات المرصودة على المنصات، يشير إلى قوننة ثقافة الجندر والمزيد من العلمانية في الطريق، ومخاوف من إقرار حقوق المثليين مثلاً، وتعديل قوانين الميراث خلافاً لأحكام الشرع الإسلامي، وتلك مسائل تحدث عنها المعارض البارز ليث شبيلات، وألمح لها وهو يحاول مرتين توجيه اللوم للإخوان المسلمين بعنوان تجاوز مصالح الأمة والوطن.
في كل حال، يتواصل الجدل في الأردن، ولا يبدو أن طريق التعديلات الدستورية سهل وميسور في أوساط المجتمع الأردني، خصوصاً أن الحيرة تلتهم قطاعاً واسعاً من المواطنين، لكن مخاوف العامل الديموغرافي في مقدمة مسوغات ومبررات تخويف الأردنيين من وجبة التعديلات الدستورية الأخيرة.
وصف بعض الخبراء والمختصين ما حصل بأنه «بدعة دستورية» مشكوك في شرعيتها الشعبية الضمنية. وقال حزب التيار الإسلامي، علناً، بأن تعديلات الدستور الأخيرة تنقلب على مبدأ السلطة الشعبية وعلى طبيعة نظام الحكم، وهنا تحديداً برزت محاججة العضايلة ورفاقه من الإسلاميين في الإضافة التعديلية المتعلقة بمجلس الأمن القومي الجديد؛ فعضو اللجنة الملكية التي شاركت باسم الإسلاميين الدكتور ديمة طهبوب، أوضحت بأن النص المعدل باسم مجلس الأمن القومي لم يعرض ولم يناقش ولم تعتمده اللجنة أصلاً.
بسبب غياب الشروحات المقنعة أو تأخر عملية الشرح أو الأخطاء التي رصدت ما بين فكرة «الأمني» أو «القومي» في المجلس الجديد، لا تتميز وجبة التعديلات الدستورية بالشعبية.
وبصراحة، لا يوجد من يدافع عنها بصورة علنية حتى من بين طبقة رجال الدولة والسياسيين الرسميين، والاعتقاد الرائج فقط هو أن الحكومة والبرلمان الحاليين تبرعا بانتقاص مفهوم الولاية العامة، وعملا على تشريع التحول إلى ما سمّاه النائب صالح العرموطي، بالحكم الفردي المطلق.
وبناء عليه، نقصت صلاحيات السلطة التنفيذية إلى حد بعيد عبر دسترة الوضع الجديد، في رأي الحقوقي البارز الدكتور موسى بريزات، وهو يشير إلى أن ما حصل هو عملية «دسترة» للحكم الفردي.
الغريب أن الرموز الرسمية لا تعتقد أو تعلق على مسار النقاشات، ولا تقدم ضمانات للرأي العام، الأمر الذي يكرس الانطباع بأن مجلس الأمن القومي الجديد أصبح بمثابة سلطة رابعة فعلاً، تسيطر على ما يقترب من ثلثي الميزانية المالية للدولة.
ومن ثم، انتقاص صلاحيات السلطة التنفيذية لصالح المؤسسة الدستورية الجديدة كان كبيراً وعاصفاً، لا بل صدم الشارع، بما في ذلك قواه التي تعلم مسبقاً وكانت تقول بأن الحكومة لا تمارس الولاية العامة.
في كل حال، الجدل يتواصل في الأردن، ومن المرجح أن عدم وجود حاضنة نخبوية حقيقية تدعم التعديلات الدستورية برفقة خطاب إعلامي رسمي عقلاني ومنتج سيصبح مفصلاً مقلقاً للغاية إذا ما نتجت عنه ثغرة تغذي مسوغات الاعتراض الشعبي والحراك والاحتجاج بتقديم مادة دسمة للموسم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق