اراء و مقالات

«تعليلة» الإدارة الأردنية و«ملح» إسرائيل

على نشامى الشرطة والأمن العام عقد دورة تدريبية للقطط السمينة التي تدير الإعلام في مؤسسات أخرى لعل الصورة تتغير قليلا بدون الحاجة لخلايا ذباب وغرف عمليات

لعلها مفارقة مؤلمة جدا سياسيا ووطنيا. أسوأ ما يمكن أن يحصل لسكان الطبقة العليا في الإدارة الأردنية هو تشكل حالة من الأداء الفاشل التي تثير سخرية العدو.
توقفت مليا عند استعمال الصحافة الإسرائيلية مؤخرا لعبارة «الأداء الفاشل لموظفي القمة في الأردن». تلك عبارة موجعة، وفكرة الوجع هنا أنها تصدر عن صحافة الاحتلال، وهي تحاول تسليط الضوء على إخفاق وزراء أردنيين في التعاطي والاشتباك مع المشهد الذي تشكل إثر توقيع ما سمي بخطاب النوايا الذي يسبق اتفاقية تبادل خدمات الكهرباء والمياه.
المؤلم أكثر من ارتكاب خطأ ناتج عن لعبة المعلومات وسريتها في عمان هو أن تتطوع صحافة عدوك الذي يستهدفك في النهاية لا محالة، لكي تشرح للرأي العام الإسرائيلي ولاحقا نظيره الأردني مظاهر العيب والخلل والقصور في الأداء، بمعنى مؤشرات التقصير في إدارة المسألة والتفاوض عليها في مواجهة العدو الإسرائيلي.
الاحتلال هنا، وقد قال الشعب الأردني على الأقل بمختلف مكوناته إنه كان وسيبقى «عدوا» بكل الأحوال، يمسك ضمنيا مشرطا ويحاول التعليم على تلك المدرسة الإدارية الأردنية لزرع إسفين جديد وبذكاء بين الأردنيين، ومن يمثلهم من الوزراء والمسؤولين على أساس التقصير في مناجزة ومفاوضة ومواجهة مشروعات التطبيع القصرية الجديدة.
هذا النمط من الألم في الخاصرة الوطنية الأردنية يحتاج لوقفة تأمل عميقة في كيفية إدارة الأمور لا بل في كيفية اختيار موظفي القمة على حد تعبير صحيفة معاريف الإسرائيلية، مما يدلنا للمرة الألف بعد المئة أو للمرة الألف في المئوية الثانية للدولة، على حجم الإشكال النخبوي الأردني، وعلى المستوى العميق لأزمة الأدوات التي سبق أن حذرنا منها عشرات المرات.
بصدق لا أعرف سببا من أي صنف منع وزير المياه الأردني من تقديم أي معلومة عن زيارة مبرمجة له إلى دبي لتوقيع خطاب النوايا المؤسف، وعلى مدار أسبوع كامل من الصمت، فيما كانت صحافة الاحتلال تتحدث عن ذلك الاتفاق وبتوسع طوال الوقت.
وشخصيا أصدق الزميل وزير الاتصال وهو الصحافي المخضرم فيصل الشبول عندما قال نافيا وجود اتفاق، فالاتفاق لم يوقع بعد وأحسب ـ وإن بعض الظن إثم مهني ـ بأن وزير الاتصال إستفسر من زميله فقيل له بعدم وجود اتفاق، وهي معلومة صحيحة، كما أفهم بأن الناطق الرسمي باسم الحكومة يكون في بعض الأحيان «آخر من يعلم» حيث من الطبيعي أن تحجب جهات صناعة القرار عن وزير الإعلام المعطيات والمعلومات.

على نشامى الشرطة والأمن العام عقد دورة تدريبية للقطط السمينة التي تدير الإعلام في مؤسسات أخرى لعل الصورة تتغير قليلا بدون الحاجة لخلايا ذباب وغرف عمليات

ومن الطبيعي أن يتزحلق أي وزير فني، مثل وزير المياه أوالسياحة، في شبكة التفاصيل وسط غابة من التأويلات وهجمة منظمة عبر منصات التواصل، فالشعب الأردني قارئ نهم للصحافة الإلكترونية الجديدة ومتمرس باصطياد وإيقاع المسؤولين ومهووس تماما بالجلوس على المنصات وارتكاب كل ما يمكن أن يتخيله المرء تحت بند التفاعل، بما في ذلك مفاجآت أو فبركات أو حماقات.
أعلم بأن أموالا أنفقت على خلايا عمليات وخلايا أزمة إلكترونية ولكن دون فائدة. ويعلم الجميع بأن عملية نفخ تحصل في من يتولون مسؤولية ملف الإعلام، وأنه لا أحد يؤمن بالتقييم الفني، حيث طاقم يتولى الإعلام في رئاسة الوزراء، وآخر في الديوان الملكي، وثالث في كل مكان، لكن تلك الأطقم تعمل منفردة وبدون سيمفونية وطنية أو مهنية موحدة.
من المتابعة يمكن الاستنتاج بأن الطاقم المعني بالشبكة والإعلام الجديد والبديل في مديرية الأمن العام حصريا هو الوحيد الذي يقوم بواجبه في إدارة فن تقديم الرواية البديلة عن تلك السلبية، وضمن الاختصاص وبطريقة مقنعة وسريعة ومبتكرة.
واقترح على نشامى الشرطة والأمن العام عقد دورة تدريبية للقطط السمينة التي تدير الإعلام في مؤسسات أخرى، لعل الصورة تتغير قليلا بدون الحاجة لخلايا ذباب وغرف عمليات وسيارات بلوحات سيادية وانشائيات لا معنى لها بالوطنية.
مجددا أسوأ ما يحصل لي ويصيبني كأردني بمقتل، هو ان يضع صحافي إسرائيلي الملح في جرحي وينتقد أداء موظفي القمة الذين يمثلونني، وتحديدا في الجزء المتعلق بمناجزة الكيان المحتل.
تلك فضيحة نخبوية كبيرة لا يمكن أن يلام عليها وزير ناطق حجبت عنه المعلومات، ولا وزير مياه طلب منه الكتمان وتحرك نحو كمين كبير، بدون تحصينه بمعطيات سياسية أو تفاوضية.
تلك إشكالية كبيرة يلام عليها المنهج وطريقة اختيار الأدوات واختيار الأمور، ويلام عليها كل منظمي البؤس والسقم الفني، وكل هؤلاء الذين يحاولون تضليل القيادة والشعب عبر الادعاء بأن الولاء المسموم المريض المختل أهم بكثير من المهنية.
صديق لي أوجعني بعد صحافة إسرائيل وهو يشخص الواقع النخبوي المؤلم قائلا بأن الإدارة العليا في وظائف البلاد ليست أكثر من «تعليلة» بمعنى مجرد سهرة وناسة لا قيمة للمهنية فيها، ولا تحترم الكفاءة ولا الشفافية ولا تطوير خلالها لا للمهارات ولا للمعرفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق