اراء و مقالاتمقالات وآراء

شينكر يرسم مفارقة «الطبقة السياسية»… وتساؤلات حول وفود دولية تطير فوق عمان ولا تهبط فيها

مجدداً وفي المشهد السياسي الإقليمي من زاوية أردنية حصرية، يرسم مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد شينكر، صديق عمان الأسبق، نفس السؤال والمفارقة.
عمان مجدداً خارج أي ملحوظة أمريكية لها علاقة بالملف اللبناني. قبل شينكر حضر إلى بيروت زميله ديفيد هيل. وباستثناء بعض وسائل الإعلام اللبنانية وزميلتها الأردنية، لم تلاحظ الدول المعنية بتأسيس مرحلة ما بعد انفجار المرفأ حجم المساعدات التي قدمتها الدولة الأردنية للشعب اللبناني الجار على الرغم من مشكلاتها الاقتصادية والمالية.

مراجعة أولويات المصالح

تجاهل للعاصمة الأردنية من الصعب كتمانه أو عدم الانتباه له وهو يؤشر إلى الحاجة الملحة -حسب الوزير والسياسي المثقف والخبير دولياً الدكتور طالب الرفاعي- إلى إعادة مراجعة أولويات المصالح واللعب في الإقليم على أساس توازنها. عمان قبل ذلك، ووفقاً لما ظهر منها ومن العواصم المجاورة، ليست طرفاً في أي مطبخ له علاقة باتفاقية السلام الإماراتية الإسرائيلية.

الجغرافيا الأردنية يمكن تحويلها إلى سلاح والتجاهل صعب إنكاره

ولا يوجد في الملموس على الأقل والمرصود علناً دور فعال أمام الستارة والكواليس، وليس خلفها للحكومة الأردنية عندما يتعلق الأمر بمعطيات موجة التطبيع الخليجي المؤذية، مع أن تلك الموجة دخلت في حسابات ومزاج الشارع الأردني نفسه وهو يعبر عن القلق والاعتراض في كل أدبياته.
وفي كل حال، بعدما قال الفرنسيون ضمناً بأنهم يبادرون في الحركة في عمق الملف اللبناني بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية وبدون الأردن، يبقى سؤال الحصة الأردنية في الدور الإقليمي أساسياً بامتياز.
والقناعة راسخة هنا بأن تجاهل الدور الأردني لا يمكنه أن ينطوي على حكمة حتى لو قرره الآخرون، فالجغرافيا الأردنية – بإصرار المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة – تبقى الأساس في معطى السلام الإقليمي، وإن كانت قراءة النخبة الموجودة الآن قاصرة عن المناورة والاشتباك في سياق ترسيم مصالح الدور الأردني.
ويحذر مراقبون ومحللون بالجملة، ومنهم السبايلة، من كلفة أي تجاهل للمصالح الأردنية في أي ترتيبات وعلى أساس أن الجغرافيا ليست عبئاً ويمكنها أن تتحول إلى سلاح سياسي، فالتطبيع برأي القطب البرلماني محمد الحجوج، لو حصل مع الكون برمته لن يشكل عنصر استقرار حقيقي دون حقوق الشعب الفلسطيني والحفاظ على مصالح الأردن.
تلك بكل حال آراء بعض النخب الفاعلة في المشهد الأردني، والتي تحاول التعليق على حركة طيران المسؤولين الأمريكيين الغربيين النشطة في الجوار وفوق أجواء عمان وبكثافة مؤخراً، ودون إلقاء ولو تحية تشاورية مع الخبرة الأردنية العتيقة في الملفات. ويحضر الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى بيروت مرتين، ويحضر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وينشط مساعدوه مع النخبة العراقية واللبنانية، ويركز الثقل الروسي على الملف السوري هذه الأيام.
ويشارك الأمريكي جاريد كوشنر برحلة جوية من تل أبيب إلى أبو ظبي، ويشكر الرئيس دونالد ترامب السعودية في مسألة الأجواء المفتوحة للطيران الإسرائيلي دون أن يشكر الأجواء الأردنية التي تعبر منها طائرات إسرائيل إلى السعودية.
كل ذلك يحصل بالجملة. وكل ذلك يحصل أيضاً بنظام التقسيط في سوق المزاودة الإقليمي اليوم، وسط شعور يستوطن الأردنيين البسطاء بخذلان الجميع لهم، يقابله إصرار في الخطاب الرسمي على التمسك بإنجازات الصمود رغم الصعوبات في مرحلة ما بعد الفيروس كورونا تفاعلاً بالمقابل مع إحساس بتقصير كبير في مهارات التفاوض وتحصيل مكاسب ناتج عن أزمة أدوات الإدارة العليا في الحكومة الحالية. ويلاحظ في عمان حتى البسطاء بأن الأصدقاء الألمان أيضاً يرسلون موفديهم إلى بغداد ودمشق وبيروت.
ويفعل الأمريكيون ذلك، واستناداً إلى سياسي عميق تحدث لـ»القدس العربي» فإن مراقبة التطبيق البدائي الخاص بحركة طيران ممثلي الدول الكبرى منذ شهر تقريباً يؤشر على أن طائرات هؤلاء تمر فوق عمان أو بجوارها ولا تهبط فيها.

تعقيدات المشهد الإقليمي

هذه حقيقة اليوم تزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي، ويصبح معها السؤال شرعياً للغاية: .. ما هي الرسالة؟
طبعاً، لا سياسياً ولا إقليمياً يمكن الاستمرار بتجاهل الأردن، ولا استقرار في المنطقة على صعيد الملفات الفلسطينية والسورية والعراقية، برأي الوزير السابق والقطب البرلماني مازن القاضي، بدون الأردن قيادة ومؤسسات وشعباً.
لكن ما يقوله القاضي وسمعت منه «القدس العربي» في الماضي عدة مرات، لا ينضج أو يتحرك إلى الأمام بدون خلية عمل حقيقية تعيد بعض المخضرمين وأصحاب الخبرة إلى لعبة الاشتباك مع الأحداث، وتنصف في وقت الحاجة والأزمة على الأقل الرموز الموهوبة القادرة باحتراف على التفاوض وتخفيف الخسائر بالحد الأدنى. والسبب بسيط، فمسؤول أمريكي يعرف الأردنيون منسوب خبثه مثل ديفيد شنكل، زار بيروت الأسبوع الماضي معلناً حرباً مسبقة على طبقتها السياسية الحالية، ومكرساً الوقت -كما فعل الفرنسيون والألمان أيضاً- للتعامل مع نخبة المجتمع اللبناني المدنية.
هذا حراك سببي ينبغي أن يقرأ في عمان. لكن السؤال، وهو محلي بامتياز: بعيداً عن المؤسسات السيادية العميقة والمرجعية الفعالة.. هل يوجد في النطاق الاستشاري والتنفيذي أدوات قديرة ومحترفة، أم طبقة سياسية من حيث المبدأ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق