اراء و مقالاتمقالات وآراء

«فانتازيا» أردنية: قصة «كبسة ترامب» والانتخابات

 

أطرف ما سمعته على الإطلاق في محاولة من داخل أوساط عميقة لتفسير فوضى الهندسة التي اجتاحت كل ترتيبات الانتخابات البرلمانية العامة الأخيرة في الأردن تلك القصة التي تتحدث عن «كبسة (زر) ترامب».
لعلها قصة مضحكة ومبكية في الواقع ويمكن أن نرويها باختصار.
تقول الحكاية إن المؤسسات الرسمية كانت جاهزة للانتخابات بسيناريو تنفيذي تفصيلي مرسوم بدقة على أساس أن من سينجح بانتخابات الرئاسة الأمريكية هو الرئيس السابق دونالد ترامب.
عند «أردنة» هذا السيناريو كان المطلوب القضاء على فرصة الإخوان المسلمين في تحقيق فرصة منصفة للمشاركة في الانتخابات. والتقليل قدر الإمكان من أجل عيني صاحبنا كوشنر وطاقمه من عدد الأردنيين الذين يمثلون المخيمات والمكون الفلسطيني في برلمان المستقبل المزهر.
وحسب الوصفة الترامبية نفسها كانت الهندسة تريد تفاضلا عدديا في ممثلي الثقل العشائري أو التيارات المحافظة وبلا معارضين يفترض أن يعيق أي منهم خططا محتملة مرسومة على بيكار صفقة القرن المدفونة وصاحبها الذي ترجل ترامب.
يبدو وحسب سردية الرواية الطريفة والتي لا تدخل في المعقول برأيي الشخصي أن الضغط الرسمي حصل على كبسة ما بهدف الوصول إلى نتائج بانتخابات نظيفة قدر الإمكان وبدون مستمسكات في الاتجاه المعاكس للنزاهة على أساس هندسة لطيفة وناعمة مبنية على فرضية أن الأخ ترامب هو الذي سيخطف البيت الأبيض مجددا واكتفاء شره يتطلب صنفا محددا في هوية وملامح برلمان الأردن الجديد.
لسبب أطرف لا يزال غامضا علقت الكبسة نفسها وبقيت عالقة فالفارق خمسة أيام فقط بين إعلان نهاية الانتخابات الأمريكية وإجراء الانتخابات الأردنية.
حكما هذه الأيام لا تكفي لإعادة تشغيل كبسة ترامب إياها على نظام «تشفير» جديد يناسب الديمقراطيين والرئيس جو بايدن وأصحابه الذين يوجد لهم أصحاب ورفاق أردنيون.
المسألة أقرب إلى فانتازيا سياسية وإجرائية، فالبيروقراطية الأردنية الثقيلة جدا وبطيئة الحركة ولا تتمتع بالرشاقة والديناميكية في تحويل الخطط والاتجاهات، وعندما تضغط على زر ما في أنظمة التشغيل وبأي موضوع أو ملف يحتاج الأمر لستة أشهر حتى يتم التصويب والتعديل.

محاولة من داخل أوساط عميقة لتفسير فوضى الهندسة التي اجتاحت كل ترتيبات الانتخابات البرلمانية العامة الأخيرة في الأردن

واضح أن الطاقم السياسي وأحيانا التنفيذي الذي طبخ إدارة الانتخابات الأردنية الاخيرة لم يسعفه الوقت لتغيير تلك الكبسة بناء على المستجد بعد المواجهة بين ترامب وبايدن.
الأوضح – وهذا أطرف ضمنيا – أن تعقيدات انتظار الأضواء ونتائج ما يحصل في الخارج منعت الأردنيين من هندسة انتخابات مرنة وإيجابية وأصبحت غرفة العمليات في موقع لا تحسد عليه بحيث أن الانتقال إلى كبسة جديدة أو الضغط على زر جديد يناسب صاحبنا بايدن، وبسرعة وخلال وقت قصير كانت كلفته أكبر من وجهة نظر الكونترول إياه من كلفة وثمن الاستمرار في الضغط على الزر العالق.
هذا ما يحصل تماما ودوما عندما تدير حكومة ما قضاياها وملفاتها وأولوياتها الداخلية بناء على لوحة إلكترونية مليئة بالأزرار ويتحكم بها آخرون وخصوصا بالخارج.
تبدو سردية مضحكة إلى حد ما وطبعا يمكن التشكيك بها وقد تخضع للمبالغة الدرامية.
لكن كمواطن ومراقب لديه خبرة في كيفية ونوعية البيروقراط الأردني أفهم وأعلم بأن مشكلات في الروتين والإدارة يمكن أن تضاف لكي تفهمنا ما الذي حصل في انتخاباتنا المثيرة وطبعا مرة أخرى بدون التسليم بتلك الرواية الطريفة والتي تقول ببساطة بأن لوحة التحكم البيروقراطية الأردنية وضعت خطتها أصلا على أساس فوز ترامب ففوجئت وصدمت بعد فوز بايدن لأن الفارق أقل من اسبوع بين الانتخابات الأمريكية وتلك الأردنية. ولأن تمديد فترة الاقتراع في عمان لمدة ساعتين دفع الأردنيون المقاطعون للانتخابات لموجة سخرية لاذعة، فبلدة ناعور مثلا كانت متأرجحة انتخابيا مثل جورجيا وتأرجحت مدينة الكرك جنوبي البلاد مثل بنسلفانيا، كما تأرجحت مدينة الرمثا مثل فيلادلفيا وأعيد الفرز في البلقاء كما أعيد في أريزونا.
بكل حال تبدو تلك خفة ظل ليس أكثر. لكن العنصر البشري الذي ضغط على الزر ولوحة التحكم الانتخابي بقي ضاغطا أو علقت كبسة الزر بسبب عطل فني مثلا.
في الأثناء لا بد من بهارات ونكهات نعرفها كأردنيين ونسلم بها أضافت تعقيدا على مشهد معقد وإن كانت رواية الكبسة إياها برمتها لا يمكن التسليم بها بعد. مثلا الميول الجهوية في غرفة العمليات لها دور والخيانة البيروقراطية للأمانة في الفرز قد يقوم بها موظف ما وبدون علم الدولة.
ومثلا الرشوة الانتخابية سلوك عند الجمهور في أصله، وبالتالي من الطبيعي أن ينجح بعض المرشحين ليس في الفوز فقط ولكن في الحصول على مقعد كوتا نسائية لسكرتيرة.
ومن الطبيعي أيضا أن تفلت البوصلة أو تنقطع الكهرباء أو يطرد المراقبون على بعض الصناديق أو أن يصطدم القوم في الميدان بحسابات إما أمنية أو جهوية أو حتى عشائرية بعيدا عن الحسابات الديمقراطية.
قصة كبسة ترامب طريفة… وتستحق أن تروى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق