اراء و مقالات

«قنص سياسي»… والملك «يخترق»: هل تفلح «الهندسة الأردنية» في «الظل الأمريكي»؟

عمان – «القدس العربي» : لقاء مع لجنة تحمل اسم الخدمات العسكرية في مجلس النواب الأمريكي. ولقاء آخر مع لجنة في الكونجرس لها علاقة بميزانية وزارة الخارجية. لقاءات تحصيل حاصل مع وزراء الدفاع والخارجية، ولاحقاً اليوم الجمعة، مع الرئيس الأمريكي جو بايدن.
قبل ذلك، لقاء حيوي ومنفرد مع جنرالات بارزين في البنتاغون والمؤسسة العسكرية الأمريكية بدون أضواء أو أعضاء من الوفود الرسمية. تلك حصيلة أولية لبعض نشاطات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني منذ الجمعة الماضية حتى مساء الأربعاء، حينما تحولت زيارته إلى رسمية.
طبعاً، لا يعرف المواطنون الأردنيون ما هي وما الذي تفعله لجنة الخدمات العسكرية، ولا لماذا يلتقي الملك شخصياً بلجنة مساعدة فنية لها علاقة بميزانية وزارة الخارجية الأمريكية، لكن الانطباع السياسي واضح؛ لأن السؤال هو: ما الذي يعنيه كل ذلك؟
في المقابل، لا يمكن تحصيل جواب سريع وفعال، لأن الترتيبات لها علاقة أولاً بمؤسستين عميقتين في عمان وواشنطن، وثانياً في المستوى السياسي الإعلامي العلني، تلحق النشاطات الأردنية ما يقرره العمق. وبالرغم من عدم وجود جواب شاف يمكن ببساطة الاستنتاج بأن الأردن بالحد الأدنى يخترق ويسجل حضوراً خلال هذا الأسبوع، له خلفياته وستكون له تداعياته ونتائجه هذه المرة، لأن اللقاء بلجان ظل ومهام محددة ينطوي عملياً على اختبار حساس لقدرات التواصل الأردنية مع مؤسسات ومرجعيات ولجان القرار الأمريكي، حيث على المحك أولويتان بالمعنى الحرفي، هما القدس والوصاية الهاشمية، والحفاظ على منسوب محدد يتميز بالديمومة من المساعدات الاقتصادية وتعزيز تلك العسكرية.
ليس سراً هنا أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني هو الزعيم العربي والإسلامي الوحيد الذي يقابله الرئيس جو بايدن مرتين منذ تسلم ولايته.
وليس سراً أن ولي العهد الأردني، الشاب الذي يظهر الآن في كل زوايا المشهد الوطني، التحق بالوفد الرسمي وسيحضر لقاء والده الملك مع الرئيس بايدن. مجدداً، تخترق القيادة الأردنية بثقلها، وتوفر مساحات مناورة لمسؤولي الحكومة والجهاز الاستشاري، مريحة وقابلة للقنص السياسي، حيث يمكن لطاقم السفارة الأردنية في واشنطن ولوزير الخارجية ولمدير مكتب الملك ومساعديه العمل بنشاط مع فرصة لا تتوفر لنظرائهم بعد إنتاج المساحات التي توفرها المبادرة الملكية.

إخفاق محتمل

أي إخفاق محتمل هنا لاحقاً سيكون تقصيراً من الأدوات، حيث الاعتقاد راسخ بأن السياسي والدبلوماسي والمستشار الأردني محظوظ جداً عندما تطلب منه مهام محددة وميسورة خلف المساحات التي يوفرها الحراك الملكي المؤسسي المرجعي، وبالتالي أي إخفاق لاحق في التفاصيل التنفيذية سيعيد المصالح الأردنية مجدداً إلى مربع أزمة الأدوات وغياب المفاوضين الماهرين.
واحد من أهم استحقاقات لقاء الملك وبايدن بعد الجولة الأردنية لا يقف عند إنتاج قسري لدور الأردن الاقليمي مجدداً، بل يتعدى باتجاه يعيد موقع الأردن في عملية تفاوض شرسة مع الحليف قبل الخصم والشقيق قبل الغريب في الجوار الإقليمي. لذلك، واحدة من النتائج المتوقعة هي اختلاف الميزان والبوصلة في معايير علاقات الأردن ولصالح عمان قليلاً بعد انتهاء الجولة الملكية الحالية في مجالات حيوية مرتبطة بالعلاقات مع بقية أركان وقادة المنطقة؛ بمعنى الحراك والاختراق في واشنطن، لكن الفاتورة السياسية قد تكتب مجدداً في تل أبيب أو في القاهرة أو بغداد.
وهنا يلاحظ الجميع بأن الحديث عن زيارة منتظرة إلى عمان يقوم بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الشهر الحالي، قد يصبح متسارعاً أكثر بعد الهندسة الأردنية في العمق الأمريكي. ويمكن أيضاً توقع أن تبدأ مصر بالتقارب أكثر مع حزمة المصالح الأردنية، فيما يمكن أن تساعد الهندسة لاحقاً بتبريد الجبهة الساخنة قليلاً في محور واشنطن – أبو ظبي – الرياض. هل يساعد ذلك كثيراً ويعيد رسم الدور الأردني الذي اعتدى عليه إسرائيليون وأشقاء عرب مؤخراً بأكثر من طريقة؟

طاقم حقيقي قادر؟!

الإجابة المباشرة تتطلب انتظار ومراقبة البوصلة الأسبوع المقبل، حيث الملفات أصلاً ساخنة، وتزيدها سخونة وحرارة حادثة اغتيال الشهيدة الصحافية شيرين أبو عاقلة، وحيث قناعة سمعتها «القدس العربي» مباشرة من باحث أكاديمي مرموق هو الدكتور وليد عبد الحي، تؤشر على عمق الأزمة في داخل الكيان الإسرائيلي، دون أن يعني ذلك طبعاً تغيراً سريعاً الآن في ميزان القوى. والإجابة ذاتها تتطلب الحرص على ألّا تفلت المصالح مجدداً بعد الاختراقات الملكية، مما يعني الحاجة الملحة للعودة إلى أبرز إشكال أردني محلي في سياقات ماثلة، وهو الحرص على وجود طاقم مهني قادر على تلقف الثمار أو صيدها وقنصها بعدما تمهد القيادة الساحة والأرض، وهي إشكالية يقدر الخبير الاقتصادي الدكتور أنور الخفش، بأن نكرانها ينطوي على تقدير مغلوط للقدرات والهوامش.
يليق بالاختراق الأردني وجود طاقم حقيقي قادر على التحرك ضمن المساحات التي يوفرها الحراك الملكي، دون اللجوء للاشتباك؛ لأنه ليس وظيفته. لكن الأهم اليوم أن شيئاً ما يتم أو تم ترتيبه مع العمق الأمريكي هذه المرة، بدلالة حرص الملك الشخصي على مناقشة لجان مهمة جداً في الظل والمقابلات الأفقية التي أجراها ثم سيجريها مع ما لا يقل عن 50 شخصية أمريكية مهمة حسب الجدول، وهو حرص تطلب أن يغادر عمان نهاية الأسبوع الماضي إلى واشنطن طاقمان تنفيذيان: الأول أردني رسمي، والثاني يتبع السفارة الأمريكية في عمان ويضم السفير نفسه ونخبة من الذين يعملون مع السفارة في ملفات محددة من الأردنيين، مثل التشبيك الاقتصادي والاجتماعي والصناعي.
والأكثر أهمية بلا منازع، هي لقاءات الجنرالات والبنتاغون. والانطباع حيوي بوضوح اليوم بأن تلك الهندسة لا تهدف فقط إلى استعادة وتثبيت الوصاية الهاشمية في القدس وزيادة حصة المساعدات العسكرية وتثبيت المساعدات الاقتصادية، بل تذهب باتجاه تفويضات استراتيجية أعمق تعيد الإنصاف ولو جزئياً للدور الأردني الإقليمي.
السؤال الإشكالي يواصل طرق باب المخاوف: بعيداً عن حراك الملك المثير والمؤثر.. هل يوجد في عمان طاقم محترف ومهني حقيقي قادر على «التكييش» السياسي والمصلحي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق