اراء و مقالاتمقالات وآراء

«مسطرة» جديدة في مساحتي «الجمارك والضريبة» في الأردن وجهد «استخباري» لاصطياد «الاحتيال المالي»

توجه هيئة النزاهة ومكافحة الفساد في الأردن مزيداً من الرسائل العميقة لكل الأطراف المعنية والمهتمة عندما يتخذ جهاز الادعاء فيها سلسلة قرارات جديدة على ذمة التحقيق بتهم متعددة تؤدي إلى توقيف أحد عشر شخصاً. الموقوفون الجدد بينهم موظفون في بعض المؤسسات الرسمية وبينهم أصحاب عمل خالفوا القوانين.
اللافت في القضايا الجديدة أن ستة أشخاص أوقفوا على ذمة التحقيق في إدخال شحنة ثوم وبصل، والتخليص جمركياً عليها عبر التلاعب بالقانون. ويبدو أن تاجراً كبيراً في مجال الخشب والأثاث موقوف أيضاً للتحقيق بناء على خلفية تهرب جمركي.
وفي قضية أخرى، تعلق الأمر بالغش وملء خزانات أحد مستشفيات الحكومة بديزل مغشوش. وفي القضية الثالثة وثائق وإفادات وإجراءات لها علاقة بالاحتيال عبر كميات من الحبوب والشعير تم إيداعها مخازن رسمية.

توقيف 12 شخصاً مجدداً وغطاء سياسي لمكافحة «الفساد الصغير مع الكبير»

قد لا تكون التفاصيل في هذه القضايا الصغيرة مهمة جداً قياساً بحجم الفساد المالي فيها مقارنة بأخرى أكثر أهمية، لكن المهم أن سلطات الشفافية الإدارية والمالية والتحقيق تريد أن تقول إنه لا عصمة لفاسد أو مخالف بعد الآن، وأن التحقيق يمكن أن يطال مفاصل لا علاقة لها بالتهرب الضريبي، لكن بمحاولات الاحتيال على الجمارك أيضاً، ومزاولات العمل بدون الحصول على الترخيص الشرعي، إضافة إلى محاولات خداع المؤسسات البيروقراطية أو إقامة مصانع وهمية والاحتيال على الجمارك والضريبة.
الإعلان بشفافية عن مثل هذه القضايا يفترض أن تأثيره يتجاوز حسمها لدى سلطات القضاء العادل، بل التعامل مع نتائجها وتداعياتها لردع المخالفات المماثلة التي كان يشتكي منها طوال الوقت رموز في نطاق الاستثمار والقطاع الخاص.
لكن الأهم هو النهوض الملموس محلياً في مجال «جمع البيانات والمعلومات» وتطوير آليات الجهد الاستخباري الأمني والعلمي في مجالات التهرب من حقوق الدولة في عملية نوعية تنمو بهدوء خلف الستارة وبدون ضجيج ويعتقد انها ستساعد لاحقا في تفكيك «شبكات «موظفين على صلة ببعض المخالفات او معنيون بالترهل والتواطؤ.
وهي مخالفات ينسجم التحقيق فيها مع ما يشير إليه وزير المالية الدكتور محمد العسعس وهو يتحدث عن سلطات القانون الرسمية التي تضمن المنافسة العادلة في نطاق القوانين العادلة أيضاً. وذلك في سياق التصدي للمخالفات التي تحصل داخل بعض أجهزة الجسم البيروقراطي للدولة، وبصورة تحاول التأسيس لمسطرة قانونية على الأقل في ملفي الضرائب والجمارك يتعامل معها الجميع ضمن أطر ثقافة العمل الجديدة التي برزت بقوة وأثارت الجدل في المرحلة اللاحقة للاشتباك مع تداعيات فيروس كورونا.
تلك مسطرة مطلوبة وبقوة الآن، ولا يمكن الاعتراض عليها؛ لأن ضمان أسس المتاجرة والمنافسة في إطار غطاء قانوني شامل للجميع هو أيضاً من مطالب النمو الاقتصادي، وفقاً للحكومة وفريقها المالي والاقتصادي.
صحيح أن بوصلة مكافحة التهرب الضريبي اتجهت مؤخراً نحو كبار المكلفين المتهربين، لكن وقوف هيئة مكافحة الفساد على محطة صغار المخالفين أيضاً قد تكون رسالة سياسية وطنية بامتياز توحي بأن المنطق الإداري يتغير. كما توحي بأن الفرصة غير متاحة، خصوصاً في ظل الظروف المعقدة التي تعيشها البلاد للاسترخاء مجدداً ومطولاً في منطقة التساهل؛ فما كان في الماضي مقبولاً لم يعد كذلك الآن، وقد فهم الأردنيون جميعاً في السلطة والشارع هذا المنطوق من الملك عبد الله الثاني شخصياً، وهو يؤكد على نبذ المحسوبية والواسطة والرشوة ومكافحة الفساد بصلابة ضمن سلسلة توجيهات للحكومة أمرت بإزالة كل العوائق أمام الشراكة مع القطاع الخاص.
لذلك، تريد سلطات الشفافية ومكافحة الفساد وتكريس النزاهة إبلاغ الأردنيين بأن قواعد اللعبة تغيرت الآن، وبأن الأجهزة المختصة بدأت باصطياد وغربلة المخالفات والجنايات التي تعتدي على القانون أو المال العام، أو تحاول الاحتيال بجرعة أكبر مما كان يحصل في الماضي. وقد تم تعزيز صلاحيات هيئة مكافحة الفساد لهذا الغرض تحديداً مؤخراً.
وللتأكيد على أن المجال لم يعد متاحاً أمام الصمت المريب أكثر، فتحت ملفات التحقيق على مصراعيها مؤخراً بمسارات عدة متوازية، يطال بعضها ملفات كبيرة وبعضها الآخر ما يسميه مختصون بالفساد الصغير، وعلى أساس أن الاستثمار المطلوب في دولة تحترم القانون مثل الأردن هو الاستثمار الإيجابي والنظيف والمؤمن بالمنافسة والفرص المتساوية.
وفي الأثناء، تسترسل السلطات في هدم بعض ما يسميه النائب خير أبو صعليك، بأركان المعبد البيروقراطي، فقد تم عصرنة برامج التمكين الضريبي في الجهاز المختص ووضعت منهجيات علمية وعصرية حديثة تخللتها مداهمات أثارت الجدل وتأهيل العديد من الكوادر والأطقم. وهي عملية ستصل لاحقاً إلى جهاز الجمارك.
وستصل بعد ذلك إلى أنظمة الترخيص والرسوم في الأجهزة والمؤسسات البلدية، على أمل فتح صفحة جديدة تقول فيها أجهزة القرار لجميع الأطراف بأن الوقت قد فات بعد الآن على الصمت في مواجهة الفساد الكبير، وكذلك شقيقه الإداري الصغير، الأمر الذي يفسر ويبرر معطيات الشفافية التي تقدمها للرأي العام الهيئات والأذرع المعنية بالمحاسبة والمتابعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق