اراء و مقالات

مطرب في كل مدرسة… «القدس العربي» تقرأ «المخفي» في عودة ظاهرة «النكتة السياسية» الساخرة إلى الأردن

عمان – «القدس العربي»: صعب جداً الإصرار على «تجاهل» نكتة سياسية طازجة انتشرت كالنار بالهشيم خلال اليومين الماضيين بين الأردنيين، وتعكس مشاعر السخرية المرة عند المواطنين بعد الوفاة المفاجأة لكيمياء التواصل والتفاهم بين الشارع والحكومة.
تحاول تلك النكتة اقتناص ما هو جوهري في مفارقة خطاب الحكومة الرسمي بخصوص ثلاثية «التباعد في المساجد، ثم تجاهله في حفلات الطرب السياحية، وفي الأثناء ارتفاع نسبة الإصابات بالفيروس في صفوف الطلاب». وتقترح النكتة بكل بساطة «تعيين مطرب في كل مدرسة لاستئناف العام الدراسي».
تم تداول تلك المفارقة على نطاق واسع عبر منصات الأردنيين، وبصورة اعتبرها المعلق والمحلل السياسي مروان الفاعوري، بمثابة رسالة خاصة بتوقيع المواطن الغلبان، وعلى الحكومة تلاوتها وقراءتها جيداً. تحدث الفاعوري مع وعبر «القدس العربي» عن روايات وزراء منقوصة أو غير مقنعة، وعن عشوائية تخبط في القرارات، والأهم عن رهان مستمر على «وعي المواطن وقدرته» التي تكاد تستنزف بوضوح، مقترحاً بأن تعود السلطة للرشد وتظهر قدراً أكبر من احترام عقل الشعب بدلاً من الاستمرار في الاستهانة به.
في الأثناء، يصر رئيس أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، وهو الشيخ مراد العضايلة، على لفت النظر إلى أن الاستمرار بضرب أولويات ومشاعر واتجاهات الشعب الأردني بعرض الحائط لا تزال سياسة مستمرة وعقيمة ولن تقود إلى شيء محدد، مقترحاً مجدداً وعبر «القدس العربي» على صناع القرار الانتباه إلى إيقاع المواطن الأردني وتوقف العبث البيروقراطي.
مثل بقية المواطنين، يجد العضايلة صعوبة في فهم تلك العقلية التي تسخر من آلام الناس ولا تقدر أولوياتهم عبر المفارقة التي ترى بأن كبار مسؤولي الحكومة يتلقون على الأرجح نفس الدرس الكلاسيكي القائم على فكرة التصرف دون أدنى اعتبار لكرامات المواطنين ومقدساتهم، بدلالة التأكيد على أن حفلات الغناء ستستمر، فيما ستستمر تطبيقات التباعد في المساجد.
في كل حال، وبعيداً عن طروحات الفاعوري والعضايلة غيرهما، لا بد من التوقف بعمق عند محطة النكتة السياسية الساخرة المرة التي تعكس مستويات متقدمة من الاحتقان بكل أصنافه عند الأردنيين، حسب رأي الناشط محمد خلف الحديد، وهو يعتبر بأن خطوات وقرارات واتجاهات الحكومة تراكم الإحباط وتستسهل المساس بكرامات الأردنيين، وهي مسألة تستوجب لفت النظر وقرع كل الأجراس. عملياً، كل من راقب تعليقات المواطنين البسطاء في عدة مناطق بعد سلسلة ألغام تفجرت مؤخراً، يعلم بأن البوصلة الشعبية وصلت إلى أقصى طاقات الاستفزاز، وأن لعبة الخطوط الحمراء لم تعد تجدي نفعاً مع توسع قاعدة «المتضررين» من كل القصور الرسمي.
تمكن المراقبون من تلمس مثل تلك الوقائع بعد جدل وثائق باندورا ومن خلال تسرب عبارات عن شركات مسجلة سراً إلى التعليقات السياسية، وأيضاً بعد مقالات «إماراتية» المنشأ نشرت عن تجنيس كل الفلسطينيين، وأخرى عن جنون وشيك في أسعار المحروقات.
مجدداً، وفي عمق المشهد، ثمة برلمان يتلمس دوره وفرصته وسط تراكم الإحباطات أيضاً؛ فرئيس اللجنة الصحية الطبيب أحمد السراحنة، اضطر لاستدعاء وزير الصحة فراس هواري، وكبار مسؤولي الصحة العامة بعد شهادة مثيرة تقدمت بها مختصة وموظفة سابقة بعنوان «مسرطنات في طعام الأردنيين» وهي قضية تدحرجت ومؤهلة للتدحرج أكثر خلال الأيام القليلة المقبلة. ولم يقف المشهد البرلماني عند حدود ملف الطعام والصحة العامة والمسرطنات، فالقطب البرلماني البارز خليل عطية تحرك أيضاً في اتجاه التقدم بأسئلة برلمانية دستورية لرئيس الحكومة، تطالب بالكشف عن كل الأرقام والبيانات والإجراءات والتصورات الخاصة بملف تقرير أصدرته منظمة أوروبية حول ظاهرة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في الأردن.
عطية طلب من الحكومة عبر رئاسة المجلس ردوداً واضحة على مزاعم التقرير، وتزويده بكل ملفات وقضايا غسيل الأموال في أسئلة برلمانية جريئة سبقت خطوة السراحنة باستدعاء وزير الصحة وطاقمه لفتح ملف سلامة ما يأكله الأردنيون، بعد تقدم الدكتورة سناء قموه بشهادة متلفزة من صنف لا يمكن تجاهله في حال من الأحوال.
الملفات تزحف وتتفجر بصيغة ألغام في حضن حكومة الرئيس الدكتور بشرالخصاونة. وحسب سياسي بارز وسابق، تبدو العودة القوية لمظاهر النكتة السياسية في الشارع الأردني درسـاً شعـبوياً ينبـغي عـدم استسـهال تجاهله، وعلى دوائر صناعة القرار حتى السيادية وليس الحكومية فقط، أن تتوقف عنده ملياً، ليس فقط بسبب سيناريوهات عودة انتشار الفيروس كورونا وتسلله إلى المدارس بقوة، ولكن أيضاً بسبب خلو الساحة من مبادرات حكومية خلاقة ومنـتجة يمكن أن تمنح الأمل بالتنويع الاقتصادي، أو حتى بتخفيف المعاناة وحدة الألم في القطاعات الحيوية، خصوصاً أن القطاع التجاري يعاني ويتألم ويتوجع، لا بل أصبح حالاً مهدداً بمزيد من المخاطر والمخاسر، كما يقدر رئيس غرفة تجارة عمان خليل الحاج تـوفيق.
بالتالي، يمكن القول إن الخلطة السياسية في ظل الضغط الاقتصادي والبيروقراطي على الشارع الأردني، التي ستشكل خطراً حقيقياً وقد تدفع في حال فشل في احتوائها في اتجاه صعود جديد لسيناريو «تغيير وزاري» هي تلك الخلطة التي تجمع النكتة السياسية بالإحباط الاقتصادي والمعيشي، خصوصاً في ظل التقارير الرسمية والحكومية عن ارتفاع محتمل في أسعار المحروقات وفي نسبة البطالة التي قد تصل إلى 50%.
التغيير الوزاري مجدداً هو قاعدة اللعب الوحيدة المتاحة في حال استعصاء الحلول، وعودة الحراك الشعبي، وانضمام الطبقة الوسطى في المجتمع إليه، وتحولها معه إلى حاضنة اجتماعية، وهي – في كل حال- قاعدة عقيمة لا تعني إلا «تأجيل المعاناة» قليلاً ثم العودة إلى الساقية نفسها سياسياً قبل ارتفاع مؤكد في كلفة «الإصلاح».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق