اراء و مقالاتمقالات وآراء

نصائح مباشرة من الحكومة بالابتعاد عن “تحريك الشارع”.. إخوان الأردن في حالة بحث عن “الضفة الثالثة”

 

 

بدت نصيحة أكثر من كونها رسالة سياسية فقط تلك التي أبلغها وزير الداخلية الأردني القوي سلامة حماد لقيادات في الحركة الإسلامية  المحلية تحت عنوان  الحرص في حال إخفاق التيار الإسلامي بالتوسط والضغط على حراك المعلمين للتهدئة، على الابتعاد لأكبر مسافة ممكنة عن تفعيلات وتأزيمات ذلك الحراك.

 لا يزال حراك المعلمين الأردني يشغل جميع الأطراف ومن عدة زوايا، ليس لأنه يتعلق فقط بشريحة مهنية لديها مطالب، ولكنه لأنه دخل في باب التأزيم الوطني وصراع الإرادات مع هيبة الدولة، بعدما أصبح عنوانا لجذب بقية الحراكات وتحويل مطالب المعلمين إلى موجة يمكن أن يركبها كل غاضب أو محتقن أو لديه أجندة.

 سمع قياديان مخضرمان من وزن الشيخ حمزة منصور والشيخ زكي بني ارشيد على دفعتين وفي تواصل مباشر نادر، لكن ليس مع الممثلين الرسميين لمؤسسات الإخوان المسلمين أو ما تبقى منها شرحا للموقف الحكومي ولموقف الدولة مقابل نصيحة بالابتعاد.

 بالتزامن مع ذلك التلامس الحواري الناصح بتوقيع وزير الداخلية في الحكومة، صدر بيان مشترك باسم حزب جبهة العمل الإسلامي وكتلة الإصلاح البرلمانية ينتقد التأزيم الرسمي ويظهر جملة تضامن كبيرة مع مطالب المعلمين.

صدور مثل هذا البيان بتوقيته كان إشارة إلى أن رموزا معتدلة من وزن بني ارشيد والشيخ منصور قد تقف عند حدود إيصال الرسالة، لكنها ليست بموقع القرار في عمق التنظيم سواء تعلق الأمر بجماعة الإخوان نفسها وبنسختها الأصلية، أو تعلق بحزب الجبهة وهو أكبر أحزاب المعارضة.

 مبكرا وفي بوادر أزمة المعلمين الأولى، أبلغ الأمين العام لحزب جبهة العمل مراد العضايلة “القدس العربي” بأن المعلمين ليسوا أصلا في موقع التأثير فيهم بقرارات من أي تنظيم.

 بكل حال يمكن قراءة نصيحة وزير الداخلية باعتبارها تأكيدا على تصور الحكومة لهيبة الدولة، فالوزير نفسه أبلغ “القدس العربي” في بداية النسخة الثانية من أزمة المعلمين بأن القانون هو الحكم، وبأن هيبة الدولة خط أحمر لا يخضع للمساومة.

 في الأثناء، يسمع الشيخ منصور أيضا رسائل مماثلة من شخصيات مثل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري.

 وعندما يتعلق الأمر بملف نقابة المعلمين نفسها، يفترض أن تصمت بقية الأصوات؛ لأن الملف برمته الآن بين يدي سلطة القضاء المستقلة.

 وهو خيار بالعادة يحترمه الإسلاميون ولا ينازعونه، لكن الانفعال في الشارع التعليمي قد يكون له وجهة نظر أخرى بعدما صعدت جميع الأطراف على الشجرة، وطالبت أصوات عبر المنصات “القدس العربي” بعد نشرها تقريرا بهذا المضمون، بتحديد تلك الشجرة أو قطعها لكي ينزل الجميع على الارض.

 يصر الإسلاميون على أن جملتهم متضامنة فقط مع مطالب المعلمين، لكنهم لا يمثلون الجهة الراعية لحراك المعلمين الصاخب في الشارع. ويلاحظ في الأثناء نشطاء من المعلمين أنفسهم بأن بعض الحراكات الشعبية تعود للواجهة على أكتاف مطالبهم وترفع هتافات بأسقف لا علاقة لها بقضية المعلمين أنفسهم.

الموقف يزداد تعقيدا عمليا، والإسلاميون بعد النصائح في طريقهم لعزل أنفسهم عن الحراك التعليمي، وكثير من المثقفين والسياسيين في الأوساط العامة والنخبوية حذرون وقلقون ولا يرون انفسهم في موقع يساند سيناريو خشنا يمس بالعمل النقابي، ولا بموقع التضامن أيضا مع حراك المعلمين غير المنظم.

في عمق التأزيم موقف واضح للدولة ومؤسساتها. وفي التفاصيل اعتقالات وتوقيفات طالت نحو 60 ناشطا في مفاصل المعلمين.

وبين هؤلاء نحو 19 ناشطا إسلاميا من أعضاء الإخوان المسلمين أو حزب جبهة العمل الإسلامي، لكنهم أوقفوا وفقا للشيخ العضايلة؛ بسبب مواقعهم كمعلمين وليس بسبب انتمائهم السياسي، وهو خيار تحاول الحكومة تكريسه على أساس أنها ضد الفوضى والمساس بهيبة الدولة، وليس ضد الإخوان المسلمين بعد.

وعلى أساس أن الموقف الرسمي من تنظيمات الإخوان المسلمين سيتأثر لاحقا بمستوى تورطهم في تأليب حراكات المعلمين أو غيرهم في رسالة يبدو أنها واضحة تماما كما تأكدت “القدس العربي” مباشرة بالنسبة للجيل الشاب والجديد الذي بدأ يسيطر على الواقع والمؤسسات داخل التيار الإخواني نفسه، باحثا عن خيار “الضفة الثالثة” ومعززا لإيحاءات الاعتدال والرغبة في التموقع بموقف لا ينطوي على صدام او اشتباك مع السلطة.

تلك “مسارات” لها إيقاعها الذي سيظهر لاحقا. لكن إلى أن يظهر، ثمة سيناريو جاهز لدى السلطات بعنوان إخضاع المعلمين بصفتهم ضمن قوائم الموظف العمومي، قبل أيام من استئناف العام الدراسي  في الأول من شهر أيلول المقبل.

وهو السيناريو الذي احتاطت بسببه وزارة التربية والتعليم عبر سلسلة من الإحالات على التقاعد طالت فيما يبدو وجوها مؤثرة في الحراك، كما طالت نحو60 على الأقل من المعلمين المحسوبين على التيار الإسلامي، حتى أن بعض هؤلاء أحيل على التقاعد بدون أن يكمل فترة النصاب القانوني.

 ومعنى هذه المنظومة من الإجراءات البيروقراطية واضح سياسيا، وهو ترسيم الإطار المهني والقانوني في قطاع التعليم ومرجعياته.

حتى خيار من هذا النوع فيه سلوك تأزيمي وله كلف، أما البقية فتأتي عبر أمر الدفاع رقم 15 لرئيس الوزراء عمر الرزاز، والذي يستعد لاستئناف العام الدراسي ضمن خطة محكمة موضوعة سابقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق