اراء و مقالاتمقالات وآراء

هل أوقف الفيروس حالة «النكران البيروقراطي»؟ الأردن دون «دبر حالك» ومع أزمة «أطباء الاختصاص»

الجيش يعلن عن تعيين مدنيين في الطب المساند والوزارة تتحدث عن «عقود شراء خدمات»

تبدو صحوة بيروقراطية وإن كانت متأخرة في أولويات الملف الصحي الأردني. لكنها صحوة بتوقيع وزير الصحة الجديد الهادئ والواثق الدكتور نذير عبيدات، بعدما أطل على العامة بإقرار تجاهله كل من خدم في موقعه بالماضي، قائلاً وعلناً أن القطاع الصحي العام لديه نقص شديد في «أطباء الاختصاص».
ظهرت أهمية وكلفة هذا النقص مع تفعيلات أزمة الفيروس كورونا خلال الأشهر الثمانية الماضية، فالوزير عبيدات يتحدث أيضاً عن نقص في مستشفيات الحكومة التي تديرها شريحة أطباء اختصاص الصدرية تحديداً، وهي الشريحة التي يفترض بالمنطق أنها في صف الاشتباك الأول مع الفيروس كورونا داخل غرف التشخيص والعلاج والعناية. وقبل ذلك، لمح عبيدات إلى وجود نقص ليس في غرف العناية الحثيثة والمكثفة، لكن في الكوادر الطبية المؤهلة لإدارة هذه الغرف. تلك إفصاحات بيروقراطية نادرة بالتراث الرسمي الأردني تجبر الجميع عليها اليوم أزمة تفشي الفيروس كورونا، على أمل أن تستيقظ أيضاً بقية مؤسسات الدولة وتمنح وزير الصحة وطاقمه مساحة مالية تحديداً تساعده في تعويض النقص.
لكن يبدو أن أزمة نقص أطباء الاختصاص في وزارة الصحة الأردنية ليست جديدة ولا تقف عند حدود أمراض الصدرية أو غرف العناية الفائقة، وتتعدى أفقياً إلى كل ما يخطر في الذهن من قطاعات الاختصاص، وفقاً لما فهمته «القدس العربي» سابقاً مباشرة من وزير الصحة الأسبق الطبيب الدكتور غازي الزبن، الذي جاهد قبل أكثر من عام ونصف في محاولة منهجية لسد ما يسمى النقص العام في أطباء الاختصاص.

الجيش يعلن عن تعيين مدنيين في الطب المساند والوزارة تتحدث عن «عقود شراء خدمات»

ما واجهه الدكتور الزبن هنا هو ما يؤشر إليه جميع الخبراء، حيث ميزانية محدودة في الوزارة الأخطر والأهم والتي أصبحت اليوم عنواناً عريضاً لما يسميه الوزير عبيدات بـ «الأمن الصحي» وهي عبارة مرادفة لفكرة أن منظومة الصحة في القطاع العام بحكم الواقع الفيروسي الموضوعي أصبحت جزءاً أساسياً من «أمن الدولة» وبالتالي، من مجمل فكرة الأمن السيادي.
مسألة النقص في أطباء الاختصاص طبعاً لها أسبابها وهي متعددة وكثيرة. لكن الأهم متراكمة وقديمة، وهو أيضاً ما فهمته «القدس العربي» على هامش النقاش مرتين على الأقل مع مرجع طبي مهم يمثله الجنرال الطبيب الدكتور معين الحباشنة، الذي كان قبل تقاعده مع رفاقه في خدمات الجيش الطبية رافداً أساسياً لمساعدة وزارة الصحة. وثمة العديد من الأدلة والقرائن على أن أزمة أطباء الاختصاص متقادمة في القطاع العام الأردني، وإن نبه لها وفي مواقع القرار المركزية كثير من الخبراء.
لكن هذه التنبيهات تم تجاهلها، فوزراء الصحة المتعاقبون يخشون التعبير عن معاناتهم أحياناً ولا يريدون الاشتباك لا مع وزير المالية ولا مع المؤسسات التي يمكن أن يتواجد فيها فائض من المخصصات والنفقات، الأمر الذي يبرر – في رأي مختصين – ما كان يقوله وزير الصحة الأسبق ونجم كورونا في وقته الدكتور سعد جابر، لمساعديه عبر عبارة «دبر حالك» التي كشف النقاب عنها أحد كبار الأطباء في وزارة الصحة قبل نحو أسبوعين.
عبارة «دبر حالك» المشار إليها هي مفتاح تشخيص وتحليل الإشكال السياسي والبيروقراطي الذي نتج عن نسبة شجاعة ضئيلة عند وزراء الصحة المتعاقبين في الحديث عن مشكلاتهم المالية، خصوصاً أن رواتب القطاع العام لأطباء الاختصاص بائسة للغاية قياساً بها في القطاع التجاري أو الخاص، وخصوصاً أيضاً أن وزراء صحة متعاقبين في الماضي أيضاً أغلقوا برامج التأهيل والتدريب والابتعاث في الداخل والخارج، كما ألمح الحباشنة إلى أغراض غير مفهومة تحت عنوان توجيه النفقات للعملياتي واليومي أو انطلاقاً من التكلس البيروقراطي، لأن وزارة الصحة مثل غيرها من وزارة الخدمات، لا تحظى بالاهتمام الكافي عند تشكيل الحكومات، وتخضع مثل غيرها أيضاً لمعايير المحاصصة الجغرافية والمناطقية.
وهي وزارة مثقلة بالهموم والأعباء الكبيرة، وتعاقب عليها وزراء كثيرون دون استقرار بيروقراطي، الأمر الذي كشف عن عيوب متعددة خلال أزمة كورونا، من بينها النقص الكبير ليس في الأسرة ولا في المرافق والمنشآت فحسب، ولكن في أطباء الاختصاص وبرامج التدريب، وفي اختصاصات محددة مهمة ومطلوبة، من بينها أمراض القلب والرئة والصدرية وأطباء غرف الإنعاش والتخدير. كل تلك اليوم معطيات تواطأ المستوى البيروقراطي في الماضي على إبقائها خارج سياق العلنية والنقاش. لكن ما يفعله الوزير عبيدات ذكي وبطيء وزاحف نحو لحظة الحقيقة.
وما تقدمه أزمة الفيروس للأردنيين عموماً هو طي صفحة النكران البيروقراطي عندما يتعلق الأمر على الأقل بالملفات والشؤون والشجون المهنية والفنية الطبية المباشرة، فلا مجال إذا كان الحديث عن الرغبة في إعادة تغيير أو إنتاج القطاع الصحي العام لصالح نظام بديل ضمن الشائعة الأكثر رواجاً وسط الخبراء والمعنيين إلا الإقرار بالحقائق كما هي، ومحاولة تصويب المسألة.
تفعل الحكومة الحالية، بقيادة الدكتور بشر الخصاونة ومعه الوزير عبيدات، ذلك الآن وبصورة نادرة، التزاماً بمنطوق ومضمون خطاب التكليف الملكي، حيث تعلن القوات المسلحة عن رغبتها في التعاقد مع موظفين مدنيين في قطاعات الطب المساند، وحيث يعلن الوزير عبيدات عن اتخاذ قرارات بشراء خدمات كوادر مختصة وبعقود متسارعة، ما يعني ضمنياً الانتباه لأزمة البعد المالي في المسألة والبدء بتوفير مخصصات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق