مقالات وآراء

كيف وأين ولماذا؟ سؤال سياسي وبيروقراطي بامتياز لم يتوقعه الرزاز

الأردن والبحث عن «مليون بيضة» مشتبه بفسادها

 

وزير الصناعة والتجارة الأردني الشاب الدكتور طارق الحموري مشغول تمامًا مع طاقمه منذ يومين بالبحث عن شحنة قوامها «مليون بيضة فاسدة»، طبعًا حسب منصات التواصل الاجتماعي التي تحكم كل تفصيلات المشهد في المملكة الآن.
العنوان يبدو مؤججًا لكل المشاعر ومناسبًا لإعادة التذكير بعبثية طروحات حكومة مشروع النهضة الوطني، والأهم أن العنوان الذي تلقفه الأردنيون بكثافة عن «بيض فاسد» مجهول الإقامة الآن يصلح لمحاكمة مختلف العناوين الفرعية التي تطرحها حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز، خصوصًا أن الرأي العام يتسامح في المسائل «الأمنية والسيادية والخارجية» التي لا تعتبرها الحكومة «أولويات» بالنسبة لها، وهي تتحدث حصرًا عن «تطوير خدمات القطاع العام».
يناضل الرزاز تمامًا في هذا الاتجاه وسط محيط بيروقراطي معقد جدًا وحمال أوجه. بوقت مبكر وبعد ثلاثة أشهر من تكليفه، اعتبر الرزاز وأمام «القدس العربي» العمل مع «مجموعات الإطار البيروقراطي» مهمة صعبة جدًا، وتكاد تكون شبه مستحيلة، والأهم «لا يعلم بصعوبتها إلا الله».
اليوم ثمة اختبار جديد مع منصات التواصل والشارع عنوانه «البحث عن مليون بيضة فاسدة».

لافت جدًا في السياق أن مؤسسات وزارة الصناعة والتجارة هي التي كشفت أصلًا عن مليون بيضة فاسدة مختلفة، وأن المراسلات الرسمية البيروقراطية انشغلت بتحريض كل الأجهزة الرقابية على المشاركة في عملية البحث عن مليون بيضة اختفت حتى بعد ظهر الأحد ولا يزال البحث عنها متواصلًا.
لكن المشهد ينطوي على كوميديا سياسية وبيروقراطية بامتياز؛ لأن من تحدث عن «هروب» مليون بيضة فاسدة جهات حكومية، وليس شعبية، ولأن الحكومة تشتكي اليوم من تسريبات وشائعات وأفلام المنصات الاجتماعية في قصة الغذاء الفاسد.
بمعنى ثمة مسؤولون لا يقدرون نتائج وتداعيات إفصاحاتهم الشعبوية؛ فيتحدثون عن المشكلات، ثم تشتكي السلطة السياسية في الحكومة من تأثير النشر والتسريب وتفاعل الشارع مع المسائل وتضخيمها. حصل ذلك طبعًا مع قضية الاعتداء على مهندسين أردنيين في كازاخستان منذ يومين، قبل تقدم وزارة الخارجية بأداء مهني يحتوي الجدل.
ويحصل في قصة «البيض» التي تحولت إلى وسيلة تسخر من شعارات وهتافات وبرامج الحكومة، وهي القصة نفسها التي بدأت مع دولة مجاورة رفضت تمرير شحنة بيض لأحد التجار الموردين، قوامها «مليون بيضة».
التاجر كما يحصل بالعادة أعاد شحنته إلى السوق المحلية. بعد ذلك اختفت الشحنة، والسلطات في إدارة المواصفات والمقاييس التابعة للوزير الحموري هي التي قالت إنها بدأت عملية البحث عن البيض الفاسد.
هنا حصريًا تذكر الرأي العام نجم دائرة المواصفات والمقاييس، صاحب الشعبية الكبيرة، حيدر الزبن، الذي نودي به شعبيًا مرات عدة وزيرًا بعد دوره قبل إقالته من وظيفته في التصدي لفساد الغذاء والبضائع، وكذلك حسب الانطباع الشخصي بعد دوره في كشف قضية التبغ والدخان.
الزبن أحد الخبراء في تحفيز الرأي العام والمنصات وإطلاق قضايا إشكالية، وسبق للرئيس الرزاز أن استدعاه وطلب منه تزويده بكل الوثائق التي لديه حول الفساد والفاسدين، حتى تتصرف الحكومة، وهو ما أعلنه الزبن عمليًا صراحة للجمهور، واعدًا بتحول الملفات إلى مكتب الرئيس.
لاحقًا، لم تصل الملفات، ولم يعلق الزبن على مسار الأحداث، ورشح عن الرزاز ما يوحي بأن أوراق الفساد التي يتحدث عنها الزبن لم تصله كما وعد الأخير.
بكل حال، وبمناسبة الحديث عن فشل دائرة المواصفات والمقاييس الحالية في تحديد مكان ومصير مليون بيضة فاسدة، طالب الجمهور بعودة رجل صلب بمواصفات الزبن الذي سبق له أن طارد تجار الدجاج الفاسد أيضًا قبل الإطاحة به من وظيفته.
عبر الإعلامي الأردني المقيم في الخارج، عبد الله بني عيسى، عن نبض ما يشعر به المثقفون وهو يحذر من «الشعب المهاجر» إذا ما استمر مشروع «النهضة الوطني» على منواله الحالي.
إشارة بني عيسى هنا قد تكون الأبلغ في مناقشة الفارق الكبير بين الواقع والخطاب الصادر عن رئيس الوزراء.
وقياسًا بما حصل في ملف السجائر والتبغ الفاسد والتساؤلات حول كيفية «إفلات» مصانع بأكملها عن عين الرقابة، تخفق أدبيات النهضة وكسر ظهر الفساد والروح الانتحارية في محاربة الفساد مجتمعة في إظهار الأجهزة المختصة قادرة فعلًا وبالسرعة المطلوبة على تحديد مكان مليون بيضة تقول دولة مجاورة -وليس أجهزة الرقابة الأردنية- إنها «فاسدة» وغير مرحب بتصديرها.
يسأل الجمهور بكثافة الآن: أين ذهبت تلك البيضات الفاسدات بصورة محددة؟
سؤال صعب الإجابة عليه إذا بيعت في الأسواق واكتشفت الخلايا البيروقراطية في وزارة التجارة أنها غير معنية بالملاحقة.
لكن، سياسيًا، مطلوب من الرزاز اليوم الإجابة على سؤال غريب حول تحديد مصير مليون بيضة فاسدة، سواء أعجبه الأمر أم لم يفعل.
والسبب ليس أهمية البيض، بل حصريًا هو المشهد العالق بالذاكرة الشعبية من ثلاثة أسابيع والجارح للكرامة الوطنية، عندما تزاحم مئات الأردنيين في أحد المراكز التجارية بمشهد مقلق أمام أطباق بيض منخفض سعره بنسبة تصل إلى 60% قرر التاجر عرضه فجأة بسعر أقل من كلفته.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق