مقالات وآراء

الأردن يراقب ثلاث ملفات عن كثب: مصير نتنياهو ونوايا «انتقام كوشنير» و«غياب» صفقة القرن «السياسية»

مرونة متوقعة في ملف «نفقات أونروا» و300 مليون دولار أمريكية رصدت

 

تقف غرفة القرار الأردنية عند ثلاثة تساؤلات أو ملاحظات جوهرية وأساسية ترقباً لتداعيات مرحلة ما بعد الإقرار الجماعي بإخفاق مؤتمر البحرين بعنوان التطبيع على أساس «الاقتصاد دون السياسة».
السؤال الأول له علاقة مباشرة بطبيعة الخارطة الانتخابية في المشهد الإسرائيلي بشهر أيلول المقبل وبعد فشل بنيامين نتنياهو بتشكيل حكومته.
وعلى محطة الاستفسار الثانية ملاحظة عميقة أكثر حول معرفة ما الذي يمكن أن يفعله جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضد الدول التي رفضت مؤتمر البحرين أو ساهمت في إخفاقه؟ والأردن، بطبيعة الحال، مصنّف هنا من بينها.
في المحطة الثالثة لدى صناع السياسة والقرار في عمان، وكما لمست «القدس العربي» مباشرة، شغف كبير في رسم السيناريو حول الخطوة الأمريكية التالية بعد الانتخابات الإسرائيلية المكررة وقبل شهر فبراير، بمعنى حقيقة النوايا الأمريكية تجاه الملف الفلسطيني في الفترة الانتقالية ما بين نهاية أيلول عام 2019، حين سينتهي المشهد الإسرائيلي بتشكيل حكومة، وشهر فبراير من العام 2020، حين تبدأ أول تحضيرات انتخابات الرئاسة الأمريكية في مقاطعة آيوا.
وتوحي مراقبة الأجندة الزمنية والتواقيت هنا بأن مؤسسة القرار الأردنية ترصد فعلاً كل صغيرة وكبيرة، وإن كان الانطباع الذي نوقش في جلسة سيادية خاصة مغلقة قد تركز على أن طاقم المستشار كوشنير سيبدأ بالحرص على أن تدفع جهة ما ثمن خروج ورشة عمل البحرين عن السكة المرسومة لها.
وبدا كوشنير، حسب المجسات الأردنية الخبيرة، مبكراً بالهجوم على السلطة الفلسطينية وتحميلها مسؤولية إخفاق مؤتمر البحرين، ووردت من طاقمه ومن مبعوث السلام، جيسون غرينبلات، إشارات غير مباشرة توحي بأن بعض الدول العربية لم تقم بالجهد اللازم في اتجاهين، الأول: الضغط على الرئيس الفلسطيني، محمود عباس. والثاني: الحرص على نجاح مؤتمر البحرين.
يعتبر الأردن هنا تحديداً نفسه متهماً مع النظام المصري ضمن منطوق طاقم كوشنير، لكن الدوائر السياسية الأردنية لا تشعر بالخطر من هذا الاتهام بسبب عدم إجماع مؤسسات القرار المرجعي الأمريكي الصديقة على علبة الاتهامات التي يوزعها أو بدأ فعلاً بتوزيعها كوشنير.
بالنسبة لعمان، ثمة قرينة ودليل على صعوبة تسويق كوشنير وطاقمه لاتهامات ضد مصر والأردن، حيث وصلت من الأمريكيين تلك الأوراق الرسمية الأسبوع الماضي، التي تتحدث عن وضع مخصص كمساعدة اقتصادية للأردن، قوامه 300 مليون دولار رصدت فعلاً.
ورفض الأردن فكرة كوشنير عن تخصيص 800 مليون دولار هي أصلاً حزمة المساعدات القديمة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ضمن مشروع تتولاه الحكومة الأردنية مباشرة.

وحصل ذلك رغم أن وزير التربية والتعليم الأردني، وليد المعاني، تبنى مبادرة غريبة نسبياً عندما قرر انفاق ما يزيد قليلاً على مليون دينار من خزينة الدولة الأردنية لتغطية نفقات الكتب المدرسية في مدارس وكالة الأونروا.
وثمة من يقول هنا بأن عمان قد تلاعب البيت الأبيض قليلاً، وتظهر قدراً من المرونة تجاه مسألة نفقات الأونروا للعام الدراسي المقبل، بمعنى أنها قد تتنازل ولو قليلاً وضمن نطاق متدحرج من التبريرات الواقعية عن رفضها المطلق للاقتراح الأمريكي القاضي بأن يتولى الأردن واجب الإنفاق المالي بدلاً من الأونروا على حصته من اللاجئين الفلسطينيين.
وسبق لوزير الخارجية، أيمن الصفدي، أن أقر لـ»القدس العربي» بوجود هذا المقترح الأمريكي ومخاطره، ملمحاً إلى أن بلاده تقاوم أي مساس أو إجراء يؤدي إلى المساس بجوهر ومنطوق فكرة اللجوء وحق العودة، مؤكداً أن ذلك من الخطوط الحمر.
لكن، في كواليس الخارجية اليوم سفراء ودبلوماسيون يقترحون التراخي أردنياً قليلاً في هذه الجزئية؛ تجنباً لصدام ومواجهة مباشرة ضارية مع أطقم الرئيس ترامب في لحظة حسابات انتخابية انتقامية حرجة تبدأ في شهر أيلول من تل أبيب ثم تنطلق في مدينة آيوا في شهر شباط المقبل حتى تصل إلى واشنطن.
بعض التراخي الدبلوماسي يمكن تبريره على أساس قواعد التسييس والملاعبة تجنباً للصدام أو حفاظاً على الأهم من الثوابت العلنية التي طرحها وتمسك بها عدة مرات ملك الأردن، عبد الله الثاني، علناً.
الأهم في اختبارات عمان الحساسة اليوم حزمة احتياجات في نطاق التحليل والتكهن السياسي.
وأهمها، في سياق الانتخابات الإسرائيلية، معرفة الدور الذي يمكن أن يلعبه انضمام يهود باراك وليفني إلى لعبة عض الأصابع في ائتلافات الانتخابات الإسرائيلية، وبالنتيجة معرفة المصير الحقيقي وليس الرغائبي للكتلة وائتلاف خصم المعادلة الأردنية الأبرز في اليمين الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ومن بين المهم فيها أيضاً معرفة ما إذا كان طاقم صفقة القرن في البيت الأبيض، الموصوف بالجهل، قادراً بعد إخفاق لقاء المنامة فعلياً على المجازفة بالاسترسال في خطته العبثية في الفترة ما بين شهري أيلول وفبراير المقبلين.
هنا حصرياً يقول مسؤول أردني مهم لـ»القدس العربي» إن الخيارات لا تزال مع السيناريوهات مفتوحة، وإن بلاده تراهن على قواعد العمل الكلاسيكية القديمة التي تستصعب طرح خطة سلام من أي نوع في مرحلة انتخابات رئاسية أمريكية أو عشيتها.
لكن الرئيس ترامب وطاقمه غير مضمونين، ويمكنهما حسب المسؤول نفسه اقتراح أي مغامرة أو مفاجأة، وبالتالي يتمنى مركز القرار الأردني أن لا تحصل مفاجآت، بمعنى أن لا تطرح أصلاً مسارات سياسية من أي نوع من قبل ترامب وكوشنير وطاقمهما في الأشهر الستة المقبلة.
لماذا يفضل الأردن الآن عدم طرح مسار سياسي؟.. يبدو سؤالاً مفصلياً، والإجابة عليه لها علاقة بإدراك جميع الأطراف اليوم أن معادلة السلام الاقتصادي من دون مسار سياسي خرجت عن السكة في البحرين.
وأن أي مسار سياسي يستدرك به طاقم كوشنير ومن أي صنف يمكن قراءته من العنوان في ظل الانحياز الأعمى لليمين الإسرائيلي.
وعليه، تفضل غرفة قرار الأردن عدم بروز خيار سياسي استدراكي حتى من قبل الإدارة الحالية؛ تجنباً لطرح أي مسار سياسي يمكن أن يرفضه الأردن.
بمعنى، لسان حال الأردنيين يقول: نفضل بقاء الأمور كما هي عن التقدم بأفكار مجنونة سنضطر لرفضها مواجهة التداعيات.
تلك طبيعة حسابات الأردن هذه الأيام.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق